هيمنت الغابات الجبلية على غالبية المساحة الإجمالية للغابات المسجلة في السعودية، والتي بلغت مساحتها 513.264 هكتارا في 5 مناطق رئيسة، وذلك حسب الأرقام الصادرة في تقرير حديث صادر عن المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر. ومثلت مساحة الغابات الجبلية 81 % من إجمالي مساحة الغابات في السعودية، وذلك بمساحة تجاوزت الـ417.941 هكتاراً. هذا الثقل الرقمي لا يعكس مجرد وفرة طبيعية، بل يؤسس كذلك إلى دور إستراتيجي محوري للمرتفعات في حماية التوازن البيئي، وتعزيز الأمن المناخي، ودعم مستهدفات الاستدامة ضمن رؤية المملكة 2030. تباين مناطقي تتصدر منطقة مكة المكرمة قائمة المناطق الأكثر امتلاكاً للغابات بمساحة بلغت 179.033 هكتاراً، أي ما يقارب 35 % من إجمالي الغطاء الغابي في المناطق الخمس، مستفيدة من تنوع تضاريسها بين السواحل والمرتفعات والأودية. وتأتي منطقة عسير في المرتبة الثانية بمساحة 151.426 هكتاراً. تمثل نحو 29.5 %، مدفوعة بطبيعتها الجبلية الكثيفة وغناها المناخي النسبي. وفي المرتبة الثالثة تحل المدينة المنورة بمساحة 112.939 هكتاراً، متقدمة بفارق طفيف على منطقة الباحة التي سجلت 112.572 هكتاراً، في مشهد يعكس تقارباً لافتاً بين المنطقتين من حيث الكتلة الغابية. أما منطقة جازان، فرغم تسجيلها مساحة أقل نسبياً بلغت 57.293 هكتاراً، إلا أن قيمتها البيئية تتجاوز الأرقام، نظراً لدورها المحوري في غابات المانجروف والأنظمة الساحلية الحساسة. قراءة نسبية تشير النسب المئوية إلى تفاوت مدروس في توزيع الغطاء النباتي، حيث تمثل مكة المكرمة نحو 34.9 % من الإجمالي، وعسير 29.5 %، والمدينة المنورة 22 %، والباحة 21.9 %، فيما تسهم جازان بنحو 11.2 %. هذا التباين لا يعكس خللاً بقدر ما يعكس تنوعاً بيئياً وجغرافياً يفرض سياسات حماية وتنمية متخصصة لكل منطقة وفق خصائصها الطبيعية. بؤر خضراء على مستوى المحافظات، تكشف البيانات عن وجود مراكز ثقل غابية ذات كثافة عالية. وتتصدر محافظة الليث في منطقة مكة المكرمة المشهد بمساحة غابات بلغت 64.502 هكتاراً، ما يجعلها أكبر محافظة من حيث الغطاء الغابي المسجل. تليها محافظة بلقرن في منطقة عسير بمساحة 50.666 هكتاراً، ثم محافظة المدينة المنورة نفسها بمساحة 46.621 هكتاراً. هذا التركّز في محافظات محددة يعكس أهمية توجيه برامج الحماية والتشجير وإدارة الموارد الطبيعية نحو هذه النقاط الساخنة بيئياً، لضمان عدم تآكل الغطاء النباتي تحت ضغط التوسع العمراني أو التغيرات المناخية. هيمنة جبلية تؤكد الأرقام أن الغابات الجبلية هي النوع السائد بلا منازع، بمساحة إجمالية بلغت 417.942 هكتاراً. وتتركز هذه الغابات بشكل رئيس في مناطق عسير ومكة المكرمة والباحة، حيث توفر المرتفعات بيئات مناسبة لتكاثر الغطاء النباتي واستدامته. وتكمن أهمية هذا النوع من الغابات في دوره الحيوي في تثبيت التربة، وتنظيم المناخ المحلي، ودعم التنوع البيولوجي البري، ما يجعل الحفاظ عليه أولوية بيئية وإستراتيجية. غابات الأودية في المقابل، تسجل غابات الأودية مساحة إجمالية تقارب 177.854 هكتاراً، وتبرز منطقة المدينة المنورة بوصفها الأكبر في هذا النوع بمساحة 109.297 هكتاراً. ويعكس هذا الرقم الدور المحوري للأودية في دعم الغطاء النباتي، خصوصاً في البيئات التي تعتمد على جريان المياه الموسمية. ويمثل هذا النوع من الغابات حلقة وصل بين البيئات الجبلية والصحراوية، ما يتطلب سياسات إدارة مرنة تراعي حساسيته للتغيرات المناخية وشح الموارد المائية. حراس السواحل تحظى غابات المانجروف (القرم) بأهمية إستراتيجية مضاعفة، رغم مساحتها المحدودة نسبياً التي بلغت 8.374 هكتاراً. فهي تمثل خط الدفاع الأول عن السواحل، وموطناً أساسياً للكائنات البحرية، إضافة إلى قدرتها العالية على امتصاص الكربون ومواجهة آثار التغير المناخي. تركيز الجنوب تكشف البيانات عن تركّز شبه كامل لغابات المانجروف في الجنوب، حيث تتصدر منطقة جازان بمساحة 4.408 هكتاراً، تليها منطقة عسير بـ3.053 هكتاراً. وتشكل المنطقتان معاً أكثر من 89 % من إجمالي مساحة المانجروف في المملكة. وتبرز محافظة البرك في عسير، بمساحة 2.610 هكتاراً، كواحدة من أهم المواقع الحاضنة لهذا النظام البيئي، إلى جانب محافظة جازان. ويضع هذا الواقع مسؤولية بيئية وتنموية مضاعفة على المناطق الجنوبية لضمان استدامة هذه الغابات الحساسة. دلالات إستراتيجية تعكس الخريطة الخضراء للمملكة تحولاً نوعياً في فهم وتوثيق الغطاء النباتي، وتؤكد أن الاستثمار في حماية الغابات لم يعد خياراً بيئياً فحسب، بل ركيزة تنموية واقتصادية طويلة المدى. فالأرقام تشير بوضوح إلى أن المرتفعات والجنوب هما قلب المعادلة البيئية، وأن أي إستراتيجية وطنية للاستدامة يجب أن تنطلق من هذه الحقائق الرقمية والجغرافية.