مسيرة حافلة بالعطاء الوطني وخدمات رائدة في القطاع الصحي، قدمها الدكتور محمد شريف الملا، الذي غيبه الموت في أحد مستشفيات لندن أمس، ليفقد الوطن أحد أبنائه المخلصين. ويعد الملا، رحمه الله، من مؤسسي الخدمات الصحية في دبي، حيث افتتح قديماً صيدلية محمد شريف في سوق الذهب، وكان يقدم من خلالها خدمات علاجية للمرضى، ووهب نفسه لخدمة الناس. دراسة لم يدرس الدكتور محمد شريف الملا، الطب في معهد أو كلية، بل تعلم الصيدلة من خلال عمله مع الفرق الطبية البريطانية في البحرين، ما ساعده على فهم أصول مهنتي الصيدلة والطب، وكان قراره في التوجه لهذه المهنة قراراً ذا أهمية كبرى، نظراً لقلة الأطباء في دبي، وكان يبذل جهوداً كبيرة في سبيل راحة المرضى وشفائهم، لصعوبة الحياة اليومية وعدم توفر الخدمات الصحية المناسبة في ذلك الوقت، فمع عدم توافر وسائل سهلة للمواصلات، كان عليه الذهاب إلى منازل المرضى سيراً على الأقدام، وكانت جولاته في العديد من المناطق تمتد إلى أكثر من أسبوع متواصل، لتطعيم الأهالي ضد الأمراض والأوبئة. شهرة واشتهر الدكتور محمد شريف الملا بابتسامته العذبة، التي لم تفارق وجهه، وصبره اللا محدود، اللذين جعلا لديه قدرة فائقة على تخفيف المعاناة النفسية التي يعاني منها غالبية المرضى الذين يقوم برعايتهم، وكان بمثابة الصيدلي والطبيب الذي يعتمد عليه أهالي المنطقة التي سكن بها في دبي، فكثيراً ما كان يستجيب لنداء من يطرقون باب منزله في ساعات متأخرة من الليل، طلباً لمساعدته في علاج أطفالهم، وتميز بنزعته الإنسانية وبالحنان الذي يملأ قلبه، فكان له مواقف كثيرة لا تنسى. وكان رحمه الله تعالى، يعلم أن مساعدة المرضى مسؤولية إنسانية ومجتمعية، وهي كفيلة بالارتقاء بمستوى النفس البشرية إلى ساحات العطاء، وترك بصمة الخير في جنبات الحياة، والاقتراب من هموم الناس في أدق تفاصيلها، فالمال مال الله تعالى، ونحن مستخلفون فيه، ومن يفتح باباً للخير ومساعدة الآخرين، يفتح الله تعالى أمامه أبواباً من الخير والبركة. عطاء وعن المرحوم الدكتور محمد الملا، قال الدكتور نجيب الخاجة استشاري أمراض القلب، إنه كان مثالاًَ لحب الخير ومساعدة الآخرين، فخبرته ومعرفته بعلم الأدوية، ساعده في فهم طبيعة الأمراض، فكان يقصده سكان دبي في الأربعينيات والخمسينيات من مختلف مناطقهم للعلاج، وكان يعود مرضاه في البيوت في ساعات متأخرة، للاطمئنان عليهم وعلى أحوالهم الصحية بعد العلاج، كما عرف بسعيه الدائم نحو التعرف إلى احتياجات القطاع الصحي في دبي، ومحاولة الإيفاء بها لخدمة مواطني الإمارات والمقيمين عليها. وعرف الدكتور محمد شريف الملا، بأنه صاحب الأيادي البيضاء والسيرة العطرة، التي تزخر بالعديد من المساهمات الإنسانية، ما كان له بالغ الأثر في حياة العديد من الفقراء والمحتاجين في مختلف أرجاء الدولة. وقال الدكتور خليل قايد، المرحوم محمد شريف الملا معروف من قبل المقربين منه بأنه شخصية من الصعب أن نجد مثلها في وقتنا المعاصر، فهو رائد العمل الصحي، ونموذج للعمل الإنساني، واستطاع ملامسة أوجاع المحتاجين والمرضى، وكان دائماً يدعو شباب الوطن إلى الاستفادة من تجارب الآباء والالتزام بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف. ويضيف: «كانت الحياة بسيطة، ولم يكن هناك خدمات طبية بالمعني الحقيقي، ولم يكن هناك أطباء ولا ممرضون في الدولة، لأن الحياة كانت بدائية، وكانت الأدوية في ذلك الوقت بسيطة، مثل الميكركروم وصبغة اليود، وغيرها من مطهرات كانت تأتي في غالونات، ويقوم الطبيب بتركيب وتجهيز وتحضير هذه الأدوية من خامات أولية، ومنها أدوية للكحة، وأدوية لتعب المعدة، وبعض الأمراض الجلدية، والإسهال، وكان هناك جهاز بدائي لقياس الضغط وعلاج معظم الأمراض بالبنسلين». أول صيدلية قال الفنان والمؤرخ خالد الجلاف إن المرحوم الدكتور محمد شريف الملا، من المؤسسين للخدمات الصحية في دبي، حيث قام بافتتاح أول صيدلية في سوق الذهب، عرفت بصيدلية محمد شريف، وكان من خلال الصيدلية يقوم بمداواة المرضى صغاراً وكباراً، نظراً لندرة الأطباء في ذلك الوقت، وكان يذهب لبيوت المواطنين في ساعات متأخرة من الليل لمداواة المرضى. وبرز المرحوم الملا، كشخصية إماراتية محبوبة ومتواضعة، يكنّ لها الجميع التقدير والاحترام، كما كان شديد الحرص على تنشئة الأبناء على طاعة الله تعالى وفعل الخير.