"لم يقم ترامب بشيء بعد باعتباره رئيساً، لكنه قال الكثير جداً في الماضي الذي يظهر مواقفه المشينة بخصوص النساء وحقوق الإنسان". هكذا استقبلت النساء في الولايات المتحدة، وفي دول عديدة حول العالم، الرئيس الأميركي الجديد في أول أيام عهده بعد التنصيب الذي كان قد شهد بدوره تظاهرات مندّدة وعنيفة. "مسيرة النساء" Womens March كان العنوان الذي حملته الحملة، التي دعت النساء والرجال في ما لا يقل عن 62 مدينة في حوالي ثلاثين بلداً للنزول إلى الشوارع، لإيصال رسالة مفادها أن "سياسات الكراهية والخوف والفرقة لن تنتصر"، وأن "اليأس ليس خياراً". في إحدى تصريحاتها الأخيرة، قالت السيدة الأولى ميلانيا ترامب أن أحد أبرز اهتماماتها هو محاربة التنمّر عبر وسائل التواصل الاجتماعي فضلاً عن التحرّش الجنسي وغيره، لكن زوجها وطوال الحملة الانتخابية، حتى قبلها، سجّل العديد من المواقف الذكوريّة والعنصريّة، التي أخافت أميركيين كثر وأرّقت متابعين له حول العالم، لا سيّما في المجالات النسوية وحقوق الإنسان ومكافحة العنصرية. انطلقت الدعوة للتظاهرات عبر فيسبوك، ويبدو أن المحامية المتقاعدة تيريزا شوك التي تعيش في هاواي كانت أول الداعين لها، إذ كتبت تعليقاً على فيسبوك وتوجهت للنوم قبل أن تستيقظ على كمية تفاعل غير متوقعة. ثم اتسعت الحملة لتضمّ كذلك منظمة العفو الدولية التي دعت للمشاركة في العديد من المسيرات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهولندا وغيرها، منعاً لـ"عودة عقارب الساعة إلى الوراء" في مجال حقوق المرأة. في دول عدة، لبّت النساء النداء وبدأت التحضيرات حثيثة ليكون أول يوم من العهد الجديد فرصة تاريخية للضغط. على صفحتها على فيسبوك، نشرت "مسيرة النساء" بياناً ندّد بالإهانة والتجريح اللذين حصلا في الحملة الانتخابية الماضية، واللذين طالا المهاجرين والمسلمين والـ"أل جي بي تي" LGBT وأتباع الديانات المختلفة والسكان الأصليين والسود والمعوّقين والناجين من اعتداءات جنسية… ولأن "المجتمعات مجروحة وخائفة"، قال البيان بأن "علينا مواجهة مسألة المضي قدماً في مواجهة هذا القلق على الصعيدين المحلي والدولي". Trafalgar Square right now. London, you beauty #WomensMarch #womensmarchlondon pic.twitter.com/tvmbThRNWV Lucy Sherriff (@sherrifflucy) January 21, 2017 ودشن آلاف الأستراليين والنيوزيلنديين التظاهرات في سيدني وملبورن وأوكلاند وغيرها وحملوا شعارات نددت بـ"ازدراء" ترامب للنساء، بينما شارك العالم صوراً لمتظاهرات ومتظاهرين تجمعوا في المملكة المتحدة وفي إيطاليا وفي كندا وألمانيا وفرنسا والسويد وغيرها. كما احتشد الآلاف في باحة مقر الكونغرس "الكابيتول"، بعد حفل التنصيب الذي شهد حسب المتابعين حضوراً لم يتخط عدده ثلث من حضروا حفل تنصيب الرئيس السابق باراك أوباما. ويتوقع المتابعون أن ينتهي اليوم على مشاركة حوالى مليوني متظاهر ومتظاهرة. وتشاركت النساء قصصهن حول العالم في خطابات نددت ليس بترامب وحده كشخص بل أيضاً بـ"كل ما يمثله" من نفوذ وقوة للأثرياء المتنمرين، الذين يستغلون السلطة ويهددون كل من هو مختلف. وعبّرت المرشحة الديموقراطية التي خسرت في وجه ترامب هيلاري كلينتون في تغريدة عن دعمها لمسيرة النساء التي تتكلم وتحارب من أجل القيم، وقالت "نحن اليوم أقوى، لأننا نقف معاً". أقوال جاهزة شارك غرد"يبدو أن لا أحد يحب ترامب، إلى درجة أن المتواجدين في أنترتيكا (القطب الجنوبي) تظاهروا اليوم" وتهكمت الناشطة النسوية غلوريا ستينمن على خطاب ترامب في حفل التنصيب الذي أوحى بأن كل ما كان قبله كارثي وهو سيكون صانع المعجزات، وقالت إن ترامب ادعى أنه من الناس، معلقة "لقد التقيت الناس وأنت لست منهم". كما تباهت ستينمن، في كلمتها الموجهة للمتظاهرين، بأن الحشود احتاجت إلى أكثر من 1000 باص زيادة للنقل عن تلك التي استُخدمت في حفل التنصيب. وأوصلت رسالة تلقتها من متظاهرات برلين وفيها "نحن في برلين نعرف أن الجدران لا تنفع"، معلقة بـ"أننا سنستغل قوتنا لنفعل.. وترامب مثلاً يصرّ على أن يسجل جميع المسلمين، فلنسجل كلنا أننا مسلمين إذاً". كما شاركت الحضور نساء كن قد تعرضن سابقاً لمواقف تحرش من قبل ترامب، وبينهن سامر زرفوس التي كانت قد تقدمت بشكوى واتهمها ترامب بعدها بالكذب. في وقت، حملت العديد من النساء شعارات مقتبسة من أقوال لترامب يهين فيها النساء، وبينها كان قد تم تداوله بعد نشر فيديو له يعود للعام 2005 وفيها عبارات جنسيّة فاضحة. رمزية التظاهرة النسائية تُعدّ مهمة أمام كل ما يمثله ترامب بتصريحاته وأفعاله غير الملائمة. مثلها في ذلك كتلك الفكرة التي عادت لتراود الأميركيين لبعض الوقت بشأن وصول سيدة إلى الرئاسة للمرة الأولى. ولكن، بحسب مجلة "نيويوركر" مثلاً، يشوب الحملة العديد من المشكلات التي قد لا تجعل تأثيرها بالشكل المتوقّع. في الجانب التنظيمي، ظهرت مشكلات مرتبطة بالمنظمين الذين يأتون من "خلفية بيضاء" جعلت كثر متخوفين من الجانب الإقصائي فيها، كما برزت مشكلة مشاركة الرجال ودمجهم وفكرة الاسم الذي حملته، وتوحد الجنسين بشأن القضايا النسائية باعتبارها قضايا حقوق إنسان. في المقابل، تبدو الفكرة بحدّ ذاتها محمّسة برغم صعوبة توحيد أناس قد لا تجمعهم مشاكل مشتركة تحت مظلة واحدة. المهم في ذلك، حسب المجلة، تبقى الرسالة، وما سيتبعها من رسائل ضغط أخرى. عدا ذلك تعود المجلة لتخفف من التوقعات عبر اقتباس قول الشاعر إدواردو غاليانو عن "وهم اليوتوبيا" فيقول "مهما مشيت، أدرك أنني لن ألتقطك". لأشهر طويلة ازدحم سجل ترامب بتصريحات وفضائح طالت النساء، نُبش ماضيه "غير الملائم" جنسياً ولم يتردد خلال حملته الانتخابيّة من ممارسة ذكوريته في العلن، يُضاف إليها مواقفه المعادية على أصعدة مختلفة. وهكذا بدأ عهد ترامب، وبدأ معه العهد المعاكس. تقول "الإندبندنت" في مقال نشرته قد يلخّص المشهد "يبدو أن لا أحد يحب ترامب، إلى درجة أن المتواجدين في أنترتيكا (القطب الجنوبي) تظاهروا اليوم". رصيف 22 رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة. التعليقات