×
محافظة المنطقة الشرقية

المملكة تقود جهوداً دولية لإنقاذ الوضع الصحي لأطفال اليمن

صورة الخبر

تثبت دروس الجغرافيا والتاريخ أن صراعات العرب وإيران لم تفضِ إلى قضاء أحد الطرفين على الآخر قضاء مبرماً؛ على الرغم من كل البقع الداكنة التي يمكن التفتيش والتنقيب عنها في كتب التاريخ. وفي غمرة الاحتقان العربي – الفارسي الراهن علينا – نحن العرب – أن نتذكر حقيقة ثابتة، مفادها أن إيران تبقى عمقاً للعرب؛ بقدر ما يمتلك العرب من الحكمة والقوة والرؤية لجعلها كذلك. بمعنى آخر، ليست إيران عدواً طبيعياً للعرب، وإنما جار تاريخي وجغرافي منافس بقوة على الأدوار والنفوذ، خصوصاً عند تراجع الحضور العربي. تسبح هذه المقالة في موسيقى إيران وليس سياستها، على الرغم من أن نتيجة الصراع بين الموسيقى والسياسة محسومة، فالأخيرة تعبر عن مصالح فئة أو شريحة أو قطاع أو حتى بلد في أحسن الأحوال، أما الأولى فتخاطب الوجدان متجاوزة المصالح الضيقة وتناحر الأيديولوجيا وقافزة فوق الطوائف والحساسيات القومية. ترجع معرفة إيران بالموسيقى إلى زمان مملكة عيلام، قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ومن وقتها يعتبر علم الموسيقى أحد فروع علم الرياضيات، ويكتسب بالتالي مكانة مرموقة في المجتمع الإيراني. وكتب المؤرخ الأشهر هيرودوت أن الموسيقى كانت منتشرة في مملكة الإخمينيين، كما تفيد بعض المراجع أن المطربين المتجولين كانوا محبوبين في فترة مملكة البارثيين. أما في عصر الساسانيين فقد بلغت الموسيقى الإيرانية حداً فاصلاً من التطور، بحيث إن الأسماء التالية ما زالت خالدة في وجدان الإيرانيين حتى اليوم مثل: باربد وسركاش ورامتين. اكتشف باربد، الموسيقي الأشهر في تاريخ إيران، المقام الموسيقي وإيقاع «الدستكاه»، أما في عصر الفتح الإسلامي فقد بزغ نجم الموسيقيين الإيرانيين في الحضارة الإسلامية أمثال أبونصر الفارابي، وابن سينا، وقطب الدين الشيرازي، وعبدالقادر المراغي. وكان الفارابي قد اكتشف، وبعد خمسة قرون من موت باربد، تراثه الموسيقي الكبير المكون من ألفي نغمة ولحن ما زالت تعيش في الموسيقى الإيرانية. وبعد تحول دولة الخلافة الإسلامية من دمشق، عاصمة الأمويين، إلى بغداد عاصمة العباسيين، برع الموسيقيون الإيرانيون وزاد تأثيرهم في موسيقى المنطقة. وفي عصر الصفويين برع كل من: أحمد قزويني، ومظفر قمي، ومحمد مؤمن وهاشم قزويني في النغم والطرب، وما زالت أعمالهم حاضرة أيضاً في الموسيقى الإيرانية التقليدية. ينتهي بك المسير في طهران عند محل الأستاد فروغي، ويستعمل الإيرانيون كلمة «أستاد» كدلالة على الموسيقار، وهي في حالتنا هذه تناسب المقام تماماً. تدخل إلى المحل حابساً أنفاسك وعازماً على شراء آلة السنتور، وهي آلة موسيقية وترية تشبه آلة القانون العربية، ولكنها تختلف عنه في طريقة العزف. وإذ يعزف على آلة القانون العربية عبر تثبيت ريشتين في سبابتي كلتا اليدين للنقر بهما على الأوتار، فإن آلة السنتور يتطلب العزف عليها أن تنقر على الأوتار بمضرابين صغيرين من الخشب باستعمال السبابة والإبهام. ولكل من الآلتين موقعها في الموسيقى، فالأولى سلطانة الطرب العربي، والثانية سلطانة النغم الإيراني. تصطف الآلات الموسيقية بالمحل في نظام دقيق، إلى اليسار آلات العزف الوترية مثل البربط والستار والتار والدوتار والطنبور، وإلى اليمين آلات العزف مثل الكمانغة والغيجك ومعها آلات النفخ الإيرانية مثل: سورناي، الناي، البالابان، الدونالي، دوساله. تلحظ أيضاً آلات الضرب مثل الدف، التمباك، وأخيراً وفي الوسط تجد السنتور محتلاً مكانه البهي في محل الاستاد فروغي وفي الموسيقى الإيرانية. تطور شكل آلة السنتور بمرور الأزمان، فقد نشأت على شكل علبة مستطيلة ذات أوتار معدنية، حتى وصلت إلى شكلها الحالي، أي صندوق غير متساوي الأضلاع مصنوع من خشب الجوز وأوتاره من البرونز، وهي متساوية في السمك، وعددها اثنان وسبعون وتراً (مع أن كلمة السنتور تعني مئة وتر باللغة الفارسية). تداعب يدا الصانع مضرابي السنتور ليجربه لك قبل البيع، فتهبط وتصعد بخفة على أوتاره متنقلة برشاقة بين أوتاره مطلقة أروع وأعمق النغمات، في تلاحق وإحكام وانتقال من طبقة إلى أخرى ومن نغمة إلى غيرها، حتى يخيل إليك وكأن أشهر العازفين الإيرانيين صاروا يحيّونك بطريقتهم المفضلة. هنا تلحظ أسلوب فرامرز بايور وبرويز مشكاتيان، وفي هذه القطعة يخيل إليك وكأن مجيد كياني وحسين مالك قد قاما من رقادهما الأبدي لتحيتك، أما في هذه الجملة الممتلئة بالعواطف فتشعر وكأن كاظم داوديان ومنوجهر صادقي قد ألفاها لأجلك أنت وحدك. يختتم الصانع جملته الموسيقية الطويلة على طريقة الأستاذ ميرزا علي أكبر شاهي: بقوة ورقة في آنٍ معاً. تخرج من محل الأستاد فروغي بأحسن مما دخلته حاملاً معك آلة سنتور من صنع يديه ومستذكراً أن الموسيقى تتفوق دوماً على السياسة! د. مصطفى اللباد