نور المحمود أراك في زمن آخر. أضع أمام عيني ضباباً اصطناعياً، فأراك كالآتي من خلف غيمة، تحمل حلماً، تمسكه بين يديك، تشكّله بأناملك فيصير واقعاً. أراك في إطار معتّق، تمشي في دروب لم تطأها قدم إنسان من قبل، ولم تهجرها الطبيعة ولا الطيور ولا النسمات. أراك تتأمل الندى الخجول الذي يمسح غشاوة الليل عن عيون الفجر فيصير صباحاً. أضعك في ركن مظلم، هادئ، ساكن. أنت لا تخاف العتمة، وكيف تخافها وأنت من يمدها إشراقاً وإشعاعاً من بهجة روحك؟ أحب أن أجلس هنا أنتظرك، ويطول الانتظار. أسمع خطاك وأنت ما زلت بعيداً، بيننا مسافات ساعات وربما أيام. لا أملّ من هذا الأمل الذي أستمده من تلك الساعات الآتية، فأنا أعشق الانتظار. لا، لست سادية تحب تعذيب نفسها، ولا سوداوية ولا كئيبة أو مكتئبة، بل أنا امرأة تحب الاستمتاع بكل لحظة من الحياة، وانتظارك جزء من حياتي ومتعتي. جزء يمدني بإحساس الأمل الآتي لا محال. يمنحني سعادة الاستعداد الدائم، والتألق الدائم، من أجل موعد سيأتي، لا أريد أن أعرف متى، يكفيني أنه آت وأنني على الموعد وأنه سيفاجئني. لا تسرّع الخطى، فالإحساس بلهفة اللقاء ترسله خفقات القلب لا خطوات القدمين. لا تستعجل الوصول، واتركني أستمتع بجمال الحوار الصامت الذي يدور بينك وبيني في خيالي. أفبرك سيناريو، أجد نفسي مؤلفة قصص بارعة، تحبك الدراما، تصنع فيلماً، هي الكاتبة وهي المخرجة وهي البطلة.. وهم؟.. ربما هو كذلك في نظرك، لكن قل لي: ما الفرق بين الوهم والخيال؟ ما الفرق بين المستحيل والأمل؟ ما الفرق بين السراب والظلال؟ ترى الفوارق كبيرة إن رأيت الحياة بلهفة المشتاق، العاشق للانتظار، المتأمل في النور الذي سيطل من الظلام، المستعد للقاء، الموعود بالفرح، المصغي للروح، المدرك بأن الحلم جزء من الحقيقة، وأن الحقيقة مستحيلة بلا أحلام، وبأن العقل مفتاح القلب، والقلب مرهون بما هو آتٍ، والآتي مسكون بالانتظار. دعني أحس بمتعة الشوق وأنت تعيش معي، دعني أتجدد وكأنني أراك لأول مرة، أكتشف فيك أشياء لم أعرفها من قبل. دعني أحس بأن فراق الساعات يشبه فراق السنوات، وأن اللهفة تحرق القلب، وأنني أريد أن أستعد كي تراني أجمل، وأراك أجمل. لا تصنّع في الانتظار، هو محطة تفكير في الذات وفي الآخر، هو محاسبة للذات وللآخر، سأجعلها محطات تجدد، استعادة الحياء والحياة، محطات شوق وموعد غير محدد، لمن سيأتي بعد لحظات وكأنه يفاجئني على غفلة. noorlmahmoud17@gmail.com