في زمن يحتاجك المسرح فيه، انفض كسلك والغبار الصدئ العالق بخلايا ذاكرتك ومخيلتك وتقدم نحوه.. اعترف أنك قد قصرت في حقه كثيرا كثيرا، بل أفرطت في التقصير والإهمال والتهميش وكأنه لم يوجد ولم يكن.. اعترف أن المسرح أصبح آخر اهتماماتك وأولوياتك في الغالب.. تقاسمت معه من الأشياء ما يشغلك عنه.. وتبسطت في التعامل معه بوصفه فنا لا تحتاجه بقدر حاجتك إلى المكملات والثانويات التي لا تصنع فنا أو حلما أو قيمة أو معنى أو دلالة في حياتك.. أرجأته في رفوف ذاكرتك ونسيت حضوره في أغلب الأحيان.. اعترف اليوم أنك أنت المدان الأول، لأنك تهت في قضايا لا تعنى بالمسرح ولا تولي أهمية أو اهتماما بمن يتوجه إليه المسرح، ولا تقف على إمكانات تطوير ذاتك وطاقتك من أجله.. اعترف أنك أوشكت أن تتبنى في طرحك وإهمالك للمسرح بوصفه حاجة إنسانية، كل ما يقف ضد الجمال والتنوير والوعي المستنير والمسؤولية الخلاقة، بل أوشكت أن تكون خرزا جاهزا مطواعا في مسبحة قوى الظلام والتضليل والإرهاب، ذلك أنك تعتقد أن مواجهة مثل هذه القوى ستحل من خلال عرض مسرحي واحد، تقدمه في هذه المناسبة أو ذاك المهرجان أو ذلك الموسم، وبعدها ينفض السامرون، ونسيت، بل تجاهلت أن المسرح موقف فكري وحضاري وفني وجمالي معضد بوعي استباري متراكم في فعله وجريء ومؤثر في مواجهته ومعالجته لقضاياه، ضد هذه القوى.. المسرح فن ملازم لتفكيرنا وأحلامنا وليس طارئا عليها أو علينا.. نعم، سيصفق الجمهور لك بحرارة الليلة، وستكتب عنك الصحف ووكالات الأنباء وسترصدك كل وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ماذا بعد؟ هل سينتهي دورك في المسرحية؟ هل سينتهي الحماس لها ولك؟ نعم كل شيء جائز ومشروع، ما لم تكن أنت المسرح الذي تحتاجك وتحتاجه ويحتاجه الآخرون، وما لم تكن في قلب المشهد وفي عمق بئر الأسرار الغريبة والمريبة، خاصة في عالمنا العربي المؤلم والموجع والمفجع والفادح إلى حد الدموية الفتكية والسفكية الناضحة بالذنب ولا المبالاة والمتجردة من أي براءة.. المسرح يحتاجنا مقاتلين من أجل نصرة الجمال على القبح، والحب على الكره، والأمل على اليأس، والنور على الظلام، والإنسانية على الوحشية، والعزيمة على التراخي، والإرادة على الاستلاب، والتحدي على العجز والتراجع، والقوة على الضعف.. المسرح يحتاجنا ليس لأنه ضعيف أو أعزل، ولكن لأنه يرانا دونه لا حاجة لأحد إلينا، يحتاجنا لأننا فقدنا بوصلة التواصل مع قضايانا ومع الآخر دونه، يحتاجنا لأننا أصبحنا دونه دون حاجة ولم نعد في سياق رؤيته الحاجة والمحتاج.. منذ فترة توشك الشموع أن يشحب ضوؤها في أغلب احتفالاتنا باليوم العالمي للمسرح، الذي يصادف السابع والعشرين من مارس كل عام، وها هو اليوم يمر هذا العام وشح الضوء في الشموع أشعرنا بغيابها، بعدم وجودها، فما أحوجنا اليوم أن نشعل كل الشموع من أجل أن نزيح قليلا من حلكة هذا الليل، ومن أجل أن نتلمس بعض متاهاتنا التي أوشكت أن تطفئ كل الشموع التي أشعلناها من أجل مسرح نحتاجه ويحتاجنا. سنرفع معا الستار الأسود الكثيف السميك الذي تختبئ خلفه أوهامنا الثقيلة علنا نجد أو نرى بعض ضوء أو بصيص لهذه الشموع.. سنمضي نحو المسرح الذي نريد ونحن متوشحون بالذنب والاستحياء، علنا نستطيع أو نتوقع أن نكون نحن المسرح الذي يحتاجنا.. وكل عام ومسرحنا مضيء بكم أحبتي المسرحيين.