قطعتا جبن وقطعة حلاوة طحينية ورغيفا خبز وفطيرة وبسكويت. هذه مكونات الوجبة التي تقرر توزيعها مرتين في الأسبوع على عدد من تلامذة المدارس الإبتدائية في محافظات في صعيد مصر. أما في محافظات الوجه البحري، فيتم الاكفتاء بالفطائر والبسكويت فقط، نظراً الى تغلغل الفقر وسوء التغذية بنسب أعلى بين أطفال الصعيد. بداية العام الدراسي يعني بداية الحديث عن وجهين لعملة واحدة: الوجبات المدرسية وسوء التغذية. وعلى رغم أن هذه العملة تقتصر على تلامذة المدارس الحكومية، إلا أن تلك الفئة منهم هي الأكثر عدداً في مصر التي يقول الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدّلات الفقر فيها بلغت نحو 28 في المئة من السكان. السكان الذين يعانون الأمرين هذه الأيام بسبب الأوضاع الإقتصادية الصعبة يبذلون جهداً مضاعفاً خلال العام الدراسي لتغذية البنات والأبناء، لا سيما الملتحقين بالمرحلة الابتدائية التي يحتاج خلالها الأطفال إلى أكبر قدر ممكن من التغذية السليمة. لكن ليس كل ما يتمنّاه المرء يدركه. «الوجبات المدرسية التي يعلن عنها لا تصل دائماً إلى الصغار. وبعضها يكون غير صالح للأكل. وكل ما أستطيع عمله هو إعداد سندويش فول وتخصيص جنيه لكل من أبنائي الثلاثة في الأيام الدراسية. وهناك أيام لا تتوافر فيها الجنيهات الثلاثة، فيعتمدون على ما تبقى من سندويش الفول الصباحي»، كما تكشف أم حسين زوجة حارس العقار التي تحرص على تغذية صغارها. لكن الحرص وحده لا يحقق المطلوب، كما أن الفول وحده لا يحوي العناصر الغذائية التي يحتاجها الصغار أو يحبونها. ما يحبونه هو البطاطا المقلية والمقرمشات التي يعشقونها رغماً عن أنف كل ما يقال عن الآثار الصحية المدمّرة الناجمة عن تناولها. وتشير منظمة «يونيسيف» إلى أن واحداً من كل ثلاثة أطفال تحت سن الخامسة (نحو 2.3 مليون طفل) يعانون سوء التغذية، وهو ما يضع مصر ضمن أعلى 20 دولة في العالم يعاني أطفالها سوء التغذية المزمن. وحتى لا تلصق هذه التهمة بالأحداث السياسية والإقتصادية التي تمر بها البلاد منذ هبوب رياح «يناير 2011»، فإن «يونيسيف» تلفت إلى أن معدلات سوء التغذية بين الأطفال كانت ترتفع وقت كانت مصر تعيش سنوات من النمو الإقتصادي والإستقرار السياسي. لكن يتوقع زيادة معدّلات سوء التغذية في ظل الأوضاع الإقتصادية غير المستقرة. وتحت وطأة الفقر المتضامن ورخص أسعار الأغذية غير الصحية والمتاحة للأطفال وأبرزها البطاطا المقلية والمقرمشات، وانشغال أجهزة الدولة في القضايا الإقتصادية والسياسية والإجتماعية الآنية، يمضي سوء التغذية قدماً من دون اهتمام كافٍ أو إلتفات لتوقعات تفاقمه. ونظراً إلى عدم صدور أية دراسات حديثة معمّقة حول نسب سوء التغذية بين الأطفال في مصر على مدار السنوات الست الماضية، فإن دراسة شاملة كانت صدرت في عام 2013 بالتعاون بين «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» التابع لمجلس الوزراء وبرنامج الأغذية العالمي، تشير إلى أن كلفة نقص التغذية عند الأطفال في مصر تقدر بنحو 20 بليون جنيه، وهي كلفة علاج الأمراض الناجمة عن سوء التغذية. كما أن نقص الغذاء وافتقاد عناصره الصحية مسؤولان عن 11 في المئة من وفيات الأطفال. كما ورد في الدراسة أن الأطفال المتقزّمين (واحد بين كل ثلاثة أطفال مصريين) يتعثّرون في دراستهم أكثر من أقرانهم الذين يتمتّعون بمعدّلات نمو طبيعية. ويؤدّي هذا التعثر أحياناً إلى التسرّب من المدارس. وقد حذّرت الدراسة من أن استمرار معدّلات سوء التغذية على ما كانت عليه من شأنه أن يزيد من كلفتها بنحو 32 في المئة، لتصل إلى نحو 26.8 بليون جنيه مع حلول عام 2025. رؤية مصر 2030 التي أعلن عنها رسمياً قبل أشهر تتضمّن العمل على خفض معدّل وفيات الأطفال حديثي الولادة والرضع والأطفال حتى سن خمس سنوات بنسبة 50 في المئة، وخفض معدّلات وفيات الأمهات بنسبة 60 في المئة، والعمل على إنهاء أشكال سوء التغذية وتلبية الحاجات الغذائية للفئات الأكثر تعرّضاً للأخطار، لا سيما ما يتعلّق بالتقزم والهزال بين الأطفال دون الخمس سنوات. وعلى رغم إيجابية الرؤية، إلا أنه ينقصها الإعلان عن خطوات واضحة، وأدوات معلومة لتحقيق غايتها، لا سيما في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة. وتظل صعوبة الأوضاع مسألة نسبية وعدم استقرارها من الأمور المتراوحة المعايير في ظل الظروف الإقليمية الراهنة. ويشهد على ذلك ملايين من السوريين المقيمين في مصر، على رغم أن نسبة قليلة منهم مسجلة في لوائح المفوضية العليا لشؤون اللاجئين باعتبارهم لاجئين. ووفق «برنامج الأغذية العالمي»، فقد سجل حوالى 50 ألف سوري أسماءهم في المفوضية باعتبارهم لاجئين أو طالبي لجوء. ويستفيد 30 ألفاً من هؤلاء من قسائم البرنامج للحصول على حاجاتهم الغذائية من محلات السوبر ماركت القريبة من أماكن إقامتهم، وهناك خطة لزيادة هذه الأعداد. لكن تظل هناك شكاوى من عدم الحصول على الدعم الغذائي، أو قلته، أو الحاجة إلى صرفه في شكل أكثر انتظاماً. وعلى عكس الصعوبات الجمة التي يواجهها أطفال سوريون في بلدان أخرى مثل لبنان والأردن وتركيا وغيرها، حيث يعيشون في مخيمات للاجئين ويعانون من تردي الأوضاع الغذائية تحت وطأة الأعداد الكبيرة، يندمج السوريون في مصر في المجتمع، فيقيمون في شقق يملكونها أو يستأجرونها أو يتقاسمونها مع بعضهم بعضاً. وفي ضوء انتعاش الأعمال التي افتتحها سوريون في مصر، وتشغيلهم لبعضهم بعضاً، فإنه قلما تظهر مشكلات تتعلق بسوء التغذية لدى أطفالهم. وفي العام الدراسي المنصرم، تبرّعت الحكومة الكندية بـ10 ملايين دولار كندي لدعم برامج التغذية المدرسية لأطفال اللاجئين والمقيمين السوريين، إضافة إلى أقرانهم من المصريين. وتركّزت المنحة على المدارس الواقعة في أماكن تجمّع السوريين، حيث حصل تلامذة نحو 280 مدرسة على وجبات خفيفة (بسكويت بالتمر ومدعم بالفيتامينات). وحيث إن أنظار العالم تتجه إلى أشكال أكثر فتكاً وقسوة وخطورة من سوء التغذية، فلا يمر يوم من دون أخبار عن «شبح مجاعة في اليمن» أو «سوء تغذية حاد في العراق» أو «أخطار نفاد الطعام في حلب» أو «عدم القدرة على الوصول إلى الطعام في ليبيا» أو «ربع مليون طفل يعانون سوء التغذية الحاد بسبب بوكو حرام في نيجيريا»، يبدو سوء التغذية بين الأطفال في مصر وأقرانهم من السوريين مسألة ثانوية على رغم آثارها المتراكمة والمؤجلة. ويبقى توافر الأكل الصحي رفاهية، لكن الوضع أفضل من آخرين يعانون شبح المجاعة أو سوء التغذية الحاد.