×
محافظة المدينة المنورة

فيديو : مضاربة جماعية في المدينة المنورة

صورة الخبر

يُعتبر تدوين السيرة النبوية بمثابة المدخل الرئيس لدراسة التاريخ، وقد اعتمد العلماء لتدوين مختلف الأحداث والوقائع، على قواعد علمية لضبط الروايات والأخبار. وهي القواعد العلمية نفسها التي نهجوها في سبيل حفظ باقي المصادر الإسلامية، بخاصة أحاديث السنة النبوية كقواعد مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل. هذه القواعد التي قُننت أساساً لحفظ السنة النبوية من الضياع والتحريف، هي نفسها التي استُثمرت لخدمة السيرة النبوية خصوصاً والتاريخ عموماً. وكتابة المغازي والسيرة مظهر من مظاهر جمع الأحاديث النبوية، ونتيجة حتمية اقتضتها هذه العملية، فإذا كان الحديث يهدف أول ما يهدف إلى دراسة أقوال النبي وأفعاله، فإن التاريخ كان يهدف في بداية الأمر إلى دراسة سيرته وأعماله والصحابة والأخبار والغزوات والجهاد، ومن هنا وجدت الصلة الوثيقة بين الاثنين لأنها كانت تتبلور حول الأحاديث التي كانت تراعى فيها الدقة كثيراً وتتصدر بالأسانيد التي تحمل معنى التمحيص وإرجاع الروايات إلى مصادرها الأصلية. ونستطيع القول إذاً، إن كتب المغازي والسيرة هي بداية التأليف العلمي في التاريخ، ومن الخطأ اعتبار رواة السير والمغازي الأوائل مجرد رواة للأخبار لأنهم كانوا مصادر لها، لأنهم عايشوا معظم الأحداث وعاينوها. ونلحظ أن كتابة المغازي والسيرة في دورها الأول، الذي شغل معظم القرن الأول الهجري، تمت على يد نفر من رجال المدينة ممن يسمون بـ «مدرسة المدينة»، بعكس الدور الذي مرت به كتابة المغازي والسيرة ابتداءً من القرن الثاني الهجري، التي لم يختصّ بها كتاب من المدينة فحسب، بل شارك فيها رجال من مواطن أخرى ممن عُرفوا بـ «مدرسة البصرة» أو «المدرسة العراقية». ويرجع ذلك إلى أن المدينة كانت تُعتبر دارَ السنة التي عاش فيها الصحابة، وشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وسمعوا أحاديثه ورووها للتابعين، فكان حرياً بفقهائها أن يكونوا رواة الكتابة في المغازي والسيرة. وبرز من رواد هذا المجال، عروة بن الزبير، صاحب كتاب المغازي، وهو من معاصري أبان بن عثمان، وأبيه الزبير بن العوام بن خويلد، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد المبشّرين بالجنة، وأمه ذات النطاقين السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – وخالته عائشة أم المؤمنين. وُلد عروة في المدينة المنورة، حوالى سنة 26هـ/ 647م، على أرجح الأقوال، لأنه كان صغير السن عندما حدثت موقعة الجمل سنة 36هـ/ 656م، ولم يشهدها فقد قال هو في نفسه: «رددت أنا وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، يوم الجمل، استصغرونا». اعتزل الحياة السياسية في عهد أخيه عبدالله بن الزبير، وقد أكثر الرواية عن أم المؤمنين عائشة. ونظراً الى إقامته في المدينة، فقد تمكّن من الإلمام بكثير من الأخبار والمعلومات عن صدر الإسلام، خصوصاً أنه شهد فترة حكم الراشدين، وأخذ معظم هذه الأخبار من والده وأمه أسماء وخالته عائشة التي كان كثيرَ التردد عليها وسؤالها. وإذا كانت مؤلفات عروة بن الزبير (ت 94هـ/ 713م) لم تصل إلينا، فقد حفظت لنا المصادر الباقية الكثير من المادة العلمية والروايات التي كان مصدرها عروة. ففي سيرة ابن إسحاق ومغازي الواقدي وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري، روايات كثيرة عن أحداث سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه عن عروة بن الزبير. وكتابات عروة تمثل أقدم المدونات الخاصة بحياة النبي، كما تمثل أقدم آثار الكتابة التاريخية العربية، وهذه المدونات كانت على شكل رسائل بعث بها عروة إلى كلٍ من عبد الملك بن مروان ـ الذي كان معجباً بعروة كثيراً ـ وإلى ابن أبي هنيدة، وكان أحد رجال البلاط في عهد الوليد بن عبد الملك، وتناول عروة في رسائله، هجرة المسلمين إلى الحبشة، وموقعة بدر وفتح مكة ووفاة خديجة وهجرة النبي والصحابة إلى المدينة، وتجاوزت كتابات عروة المغازي إلى الحديث عن غزوة أسامة بن زيد وخبر ردة القبائل وموقعة أجنادين وموقعة اليرموك وموقعة القادسية وموقعة الجمل وأخبار فتنة عبدالله بن الزبير. واهتمّ عروة في كتاباته بالإسناد في غالب الأحيان، وقد تناول بالكتابة الأحداث الآتية: 1- بعث الرسول، نزول الوحي، بداية الدعوة، وموقف قريش من المسلمين. 2- الهجرة إلى الحبشة وأسبابها ومقاومة قريش للدعوة. 3- المغازي ورسائل النبي إلى الجهات المختلفة. 4- الفترة الأخيرة من حياة الرسول. على رغم قصر رواياته في هذا الشأن وإيجازها، وعلى رغم اشتهاره بمعرفة الحديث حيث عُدّ أحد فقهاء المدينة السبعة، إلا أننا نلاحظ عليه عدم عنايته كثيراً بالإسناد أثناء كتابته وإن لم يهمله تماماً. كما عنى عروة عناية تامة بالوثائق المكتوبة مثل رسائل النبي إلى زرعة ابن ذي يزن، وعبدالله بن جحش، وتتضح من رسائل عروة التي نقل لنا بعضها الطبري، عنايته ـ في حديثه عن الغزوات ـ بالمقدمات التي سبقتها وأدت إلى تصادم الفريقين، واهتمامه بعرض الأدلة على ما يقول من الآيات القرآنية وغيرها، كل ذلك في أسلوب سهلٍ بسيط، وقد توفي عروة سنة 93 هـ/ 712م وقيل سنة 94هـ/713 م.