في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة أعوام ترجل رجلٌ لم يكن مجرد شاهدٍ على تاريخ التعليم السعودي الحديث، بل أحد الذين عاشوا تفاصيله الدقيقة، وحملوا أسراره بأمانة الرجال الذين أدركوا أن خدمة الوطن ليست ضجيجاً إعلامياً .. بل مسؤولية عمرٍ كامل. كان محمد بن ابراهيم الخضير رحمه الله جزءاً من ذاكرة التعليم السعودي ، قريباً من أبناء المجتمع التربوي، وشاهداً على مراحل مفصلية ، عايش مرحلة مهمة بالتاريخ السعودي، وارتبط إسمه لعقود بالتعليم الأهلي والعمل الخيري والإنساني.. لا بالصوت المرتفع والدعايات الصاخبة. وفي ظهوره التلفزيوني النادر، لم يكن يروي مجرد حكاياتٍ ..بل كان يفتح نوافذ نادرة على كواليس نشأة التعليم الذي يعتبر ركيزة أساسية بهذا البلد الكبير، وينقل للأجيال صورة القطاع التعليمي ،كما عاشها من الداخل .. بثقافة العارف، وهدوء الواثق، ووفاء الإنسان لوطنه وتاريخه. ولأن الرجال الكبار لا يرحلون دون أثر ..فقد ترك رحمه الله إرثاً وطنياً ثميناً، حين صنع وقفآ نوعيآ مستدامآ في الإنسان وصناعة الأثر، لتبقى ذاكرة تأسيس التعليم محفوظةً للأجيال القادمة، شاهدةً على عظمة هذه الدولة وعمق تاريخها. وفي جلسة استثنائية ضمن فعالية “تيدكس أوقاف جامعة الملك سعود” التي أقيمت الأسبوع الماضي في العاصمة الرياض، قدّم الوجيه خالد بن محمد الخضير، رئيس مجلس أمناء جامعة اليمامة وناظر أوقاف الشيخ محمد الخضير يرحمه الله , ورئيس مجلس أهالي رياض الخبراء، تجربة ملهمة أعادت تعريف مفهوم “الوقف” في الوعي المجتمعي. متجاوزاً الصورة النمطية للوقف كمجرد “عقارات وأبنية”، استعرض الخضير قصة عائلية ومؤسسية تمتد لقرن من الزمان، تثبت أن الوقف يمكن أن يكون محركاً اقتصادياً واستثماراً مستداماً يصنع الأجيال. شرارة البداية: شغف المعرفة يتحدى الظروف بدأ الخضير مداخلته بلمسة وفاء لوالده الراحل، الشيخ محمد بن إبراهيم الخضير (رحمه الله)، الذي عاش قرناً من الزمان واهبًا حياته للتعليم. انطلقت القصة من محافظة رياض الخبراء بمنطقة القصيم، حيث ألهمت زيارة “قاضٍ متعلم” لمجلس العائلة الشاب محمد الخضير للبحث عن العلم. رحلة البحث قادته إلى الرياض، ثم إلى العمل في مزارع الدولة بالخرج، وصولاً إلى شركة أرامكو في الظهران إبان الحرب العالمية الثانية. هناك، لم يكتفِ بالعمل مع المهندسين الأمريكيين، بل أسس مدرسة مسائية لتعليم العمال السعوديين وتدريبهم على اللغة الإنجليزية. هذا الشغف توج لاحقاً باشتراطه بناء مدرسة لأبناء المزارعين في الخرج كشرط أساسي لقبوله وظيفة مترجم، ليؤسس بذلك أولى لبنات مشروعه التعليمي. ريادة تعليم البنات: المخاطرة من أجل المجتمع في عام 1370هـ، لاحظ الشيخ محمد الخضير غياب المدارس النظامية للبنات في الرياض، فبادر بتأسيس “مدارس التربية النموذجية” بجهود شخصية وتمويل ذاتي أثقل كاهله مادياً. ورغم التحديات، استمر المشروع حتى تأسيس رئاسة تعليم البنات عام 1380هـ. حظيت المبادرة لاحقاً بدعم حكومي تمثل في تحمل 50% من التكاليف، إلى جانب منحة سنوية من شركة أرامكو بقيمة 12,000 ريال لمدة خمس سنوات، مما شكل نقطة تحول كبرى في مسيرة المدارس. الوقف كشريك استراتيجي (بمقياس الأجيال لا الأرباح) تطرق الوجيه خالد الخضير إلى التحول المؤسسي الضخم، حيث تطورت مدارس التربية النموذجية لتصبح “الشركة الوطنية للتربية والتعليم”، وهي شركة مساهمة عامة تضم اليوم: * 40 ألف طالب وطالبة. * 5 آلاف معلم ومعلمة. * 25 مجمعاً تعليمياً على مستوى المملكة. في خطوة غير مسبوقة تعكس الفكر الوقفي الحديث، تمتلك “أوقاف محمد الخضير” ما نسبته 30% من أسهم هذه الشركة. وأوضح الخضير أن العائلة تعامل الوقف وكأنه “أحد الورثة”، مما يضمن نموه المستدام وتضاعف حجمه مع توسع الشركة، ليصبح شريكاً استراتيجياً في مسيرة التنمية. الأثر المجتمعي: الاستثمار في الأطراف أكد الخضير أن الأوقاف التعليمية يجب أن تركز على إحداث الفارق في المناطق الطرفية التي تحتاج إلى بنية تحتية تعليمية متقدمة. وشملت إنجازات هذا التوجه: * بناء وإكمال مشاريع المدارس الحكومية المتعثرة أو المستأجرة بالتعاون مع وزارة التعليم. * تأسيس “الوقف التعليمي” الذي أثمر عن 70 مجمعاً تعليمياً بقيمة 500 مليون ريال خلال أربع سنوات. * إطلاق محفظة تعليمية بالتعاون مع منصة “إحسان”، جمعت حتى الآن 450 مليون ريال قبل بدء تشغيلها الفعلي. من رياض الخبراء إلى العالم اختتم الخضير مشاركته بالحديث عن الأثر المباشر على مسقط رأس والد،ه في محافظة رياض الخبراء، التي انضمت مؤخراً لشبكة اليونسكو لمدن التعلم. توجت هذه الجهود بتأسيس مدرسة نموذجية للموهوبين والموهوبات تتميز بالآتي: * طاقة استيعابية محدودة لضمان الجودة (120 طالباً و120 طالبة، بحد أقصى 20 طالباً في الفصل). * شراكة مع مؤسسة “إنترلينك” الأمريكية لتطوير برامج اللغة الإنجليزية وتدريب الكوادر. * توفير كافة الاحتياجات المدرسية والتغذية الصحية لضمان بيئة تعليمية مثالية. واليوم، تغيّر سقف طموحات أبناء هذه المحافظة الصغيرة؛ فلم يعد يقتصر على التعليم الأساسي، بل تجاوز ذلك إلى المنافسة لدخول أفضل الجامعات العالمية. ليثبت هذا النموذج أن “الوقف التعليمي” قادر على تقليص المسافة بين القرية الصغيرة، والعالم بأسره( انتهى حديث خالد الخضير). ومع نهاية هذه الاضاءات من قبل خالد الخضير ، فأنة لا شك أن القطاع غير الربحي في المملكة قد مر بمراحل تطور لافتة واكبت تطور الحياة والإدارة والمجتمع، مدفوعاً بترسخ ثقافة العمل المجتمعي الخيري والتطوعي المتوارثة عبر الأجيال، لذلك حظي بمكانة مهمة في رؤية السعودية 2030، إيماناً من سمو ولي العهد بإسهام وأثر هذا القطاع التنموي والاقتصادي والاجتماعي في تحقيق مستهدفات الرؤية وتلبية احتياجات المجتمع، لذلك جاء إنشاء المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي مكملاً لأهداف تمكين هذا القطاع وتحقيق الأثر المنشود! باختصار.. عناية محمد بن ابراهيم الخضير وأبناءه بالتعليم والأوقاف التعليمية بكافة مكوناتها خاصة ، وجمعيات العمل الخيري وغير الربحي عامة، هي انعكاس لتجذّر الخير والإحسان في ثقافة وهوية مجتمعنا. رحم الله محمد بن ابراهيم الخضير رحمةً واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.وسيبقى اسمه حاضراً في ذاكرة التعليم السعودي والعمل الخيري والإنساني. The post محمد ابراهيم الخضير.. الاستثمار في الإنسان وصناعة الأثر appeared first on صحيفة درة الالكترونية .