في هذه الزاوية نلتقي أ. د. أحمد بن عيسى الهلالي، الكاتب والأديب السعودي أستاذ الأدب والبلاغة بجامعة الطائف نائب رئيس جمعية أدبي الطائف، في حوار حول بداياته في الكتابة وأثر تنقله بين مدن المملكة في مشواره مع الشعر. صدرت للهلالي العديد من المؤلفات الأدبية والنقدية منها أربعة دواوين ورواية (سدرة المنتهى)، وتحقيق ديوان لقيط بن زرارة وابنته وكتاب (الأندية الأدبية: النشأة والتطور، والأثر في تشكيل الوعي الثقافي)، والعديد من الأبحاث والدراسات المحكمة المنشورة. تنقلت بين عدد من مدن المملكة حالة عمار وأضم وحفر الباطن وجدة والطائف كيف أثر عليك هذا التجول أدباً وشعراً؟ التنقل بين البيئات المختلفة يثري الإنسان، بما يراه ويسمعه، فتبدأ المقارنات اللاشعورية، ثم الاستقراء الواعي للاختلافات، والتدقيق في التشابهات والفروقات سواء على مستوى المشهدية البصرية، أو المسموعات، وفي ذلك ثراء فكري وثقافي، حيث يتسع المعجم اللهجي بمفردات جديدة، ويزيد من الرصيد الثقافي بمعرفة عادات وموروثات مادية ولا مادية جديدة، فالتنوع الديموغرافي والجغرافي يوسع رؤية المرء، ويزيد الرصيد المعرفي، وهذا ما يتمتع به مجتمعنا السعودي. انتقالك بين الشعبي والفصيح وكتابة الرواية، قراءتك لتأثير هذا التنوع في مسيرتك الأدبية؟ الأديب لا يستطيع قراءة ذاته، ولا يُحسِن استبطان نتاجه الإبداعي، ويحسُن بهذا السؤال أن يوجه إلى النقاد ومن اطلعوا على تجربتي. لكن الانتقال بين الشعبي والفصيح يمكن أن يمرحل التجربة، فقد بدأت بالشعبي كغيري من الشعراء، ثم انتقلت تدريجياً إلى الفصيح، أما الرواية فهي تجربة مستقلة، ولا أعدها تجربة كبيرة؛ لأني لم أصدر سوى رواية سدرة المنتهى، التي أصبحت سقفاً ما أزال أحاول اختراقه. متى بدأت تشعر أن للكلمة قدرة على أن تكون مسارًا لا مجرد اهتمام عابر، وأن المعرفة يمكن أن تعيد تشكيل المصير؟ منذ طفولتي في القرية كنت أدرك قيمة الكلمة وقدرتها، كنت أسمع الكبار يقولون «الرجال صناديق مغلقة حتى يتكلموا»، ثم في مرحلة الفتوة كانت قصائد خلف بن هذال إبان حرب الخليج الثانية تهز الوجدان، وتحرك الكوامن، إضافة إلى كلمات الأغاني الوطنية التي كثرت في تلك الفترة، لكن الوعي الحقيقي بقوة الكلمة وقيمتها جاءت أثناء دراستي للبكالوريوس في جامعة الملك عبدالعزيز، والتعمق في المقولات النقدية والبلاغية، فهذه الأدوات تعمل عميقاً في فحص الخطابات. أما المعنى العميق الذي يتغياه سؤالكم فقد ترسّخ إبان كتاباتي الأدبية، وما يزال ينمو ويترسخ، فالكلمة ترفع وتخفض وتغيّر مصائر أفراد وشعوب وأمم. كيف أسهم الانتقال إلى الفضاء الجامعي في إعادة ترتيب وعيك، لا بوصفه دراسة فحسب، بل تجربة فكرية أعادت تعريف علاقتك باللغة والفكرة؟ منذ مرحلة الماجستير، بدأت الآفاق تتسع، وانتقلت من وعي عام إلى وعي أعلى بالكثير من القضايا، وأكثر تركيزاً، فتغيرت نظرتي إلى اللغة، فلم تعد مجرد وعاء يستوعب الأفكار، بل أصبحت أراها أهم فاعل في الفكرة، فالتعبير عن الفكرة هو أول خطوات تسويقها وكشفها للآخر، والعناية بالحامل اللغوي هو الذي يحدد قبولها أو رفضها أو تهميشها. ثم انتقل ذلك الوعي إلى الأفكار ذاتها، فلم تعد المسلّمات كما كانت من قبل، بل أصبحت أغصاناً متحركة، يؤرجها هواء إعمال النظر، بعضها يحتاج إلى تقويم، وبعضها إلى تقليم، وأُخر إلى اجتثاث أو قلب أو بتر. بوصفك معيدًا وأكاديميًا، كيف انعكس الاشتغال المنهجي على حسّك النقدي وعلى طريقتك في قراءة النصوص؟ الدراسة الأكاديمية ثم العمل في بيئة أكاديمية تبني قدرات قراءة النصوص من خلال الاشتغال بأدوات تحليل الخطاب، وتصقل الذات الناقدة، لكنها في الوقت ذاته تقلل من وهج الكتابة الإبداعية، ومن تلقائيتها، فالاشتغال الأكاديمي اشتغال يقوم على الوعي، بينما يتعالق الإبداع باللاوعي أكثر، وفي استمرار صحوة الوعي تخفت فرص الإبداع، ويظل الفكر مشغولاً بالقضايا النقدية أكثر، ما يعجل بقلة تدفق الإبداع، وربما جفاف منابعه. إلى أي مدى تسكن التجربة الشخصية نبرة قصيدتك، وأين تضع الحدّ الفاصل بين ما يُعاش وما يُكتب؟ الأدب إبداع مغموس في الذاتية، ولا يمكن بحال أن ينفصل عن الذات، وإن حدث ذلك انقطع المبدع عن ذاته وعن واقعه وعن بيئته. أما الحد الفاصل بين ما يعاش وما يكتب فلا توجد حدود مطلقاً إلا ما يرسمه المجاز من خطوط وهمية لا يمكن الوثوق بحدودها، ولا الجزم بتأولات القراء، لذا اكتسب الأدب هالته الجلالية عن باقي فنون القول. في مرحلة سابقة من حياتك خضت تجربة العمل العسكري؛ كيف تنظر اليوم إلى أثرها في بناء الانضباط الداخلي، وفي تشكيل رؤيتك الإنسانية والإبداعية؟ الالتزام والانضباط أجدهما إحدى سمات شخصيتي في بعض نواحيها، ولا أستطيع عزوهما إلى العمل العسكري فقط، فنشأتي في القرية أكسبتني أيضاً هذه الصفات، فالالتزام بالكلمة والموقف إحدى أبرز معالم التنشئة في القرى، وقد زاد العمل العسكري بصرامته من ترسيخها في شخصيتي، إلا أنني لا أخلو من بعض الفوضوية والتسويف أحياناً في أشياء أخرى، وأظل أكافح للتخلص منها. كيف ترى الشعر اليوم في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتضخم فيه المنصات، بينما تضيق المساحة أمام التأمل والإنصات العميق؟ الشعر بخير، والشعراء تمتد أصواتهم وتعلو، وستظل هكذا، ما دامت الحاضنة الاجتماعية العربية تعلي مقام الشعر والشعراء، ومن جماليات الشعر أنه يتماهى مع كل الظروف والأحوال، فإن تسارع الإيقاع، وتضخمت المنصات استطاع الشعراء أن يجاروا المرحلة، وأن يتماهوا مع حركتها، وعلى المستوى الشخصي فإني لا أحمل همًّا في هذا الاتجاه، لكن أكثر ما يقلقني أن الذكاء الاصطناعي دخل الساحة الشعرية، وإن بدت خطواته غير مقلقة حالياً ولا تنافس الإبداع البشري، لكني أتنبأ بأن تتعملق تلك الخطى بتطور أدواته، فيصبح كل مستخدم (شاعراً بالأمر) يبز كبار الشعراء الحقيقيين، من خلال الأوامر التي يطلبها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ما الذي يجعلك توفّق بين الشعر والنقد دون أن يتحوّل أحدهما إلى عبء على الآخر أو إلى سلطة تُقيّد الإبداع؟ في الحقيقة يواجه المبدعون الأكاديميون المشتغلون في النظرية النقدية عنتاً كبيراً في التوفيق بين النقد والإبداع، فالدراسات النقدية تستهلك مساحة من العناية والتدقيق والوقت والوعي، وهذا كله يلقي بثقله على الذات المبدعة، فينزوي المبدع في ركن قصي يترقب مطر الفرصة التي ينمو عليها شجر الإبداع، وقد تمتد تلك اللحظات الترقبية، واستسقاءات القرائح لأيام أو لأشهر وربما تتجاوز السنة أحياناً، فالإبداع في رأيي فتاةٌ لا تقبل الشريكة، وإن قبلتها على مضض اعتلت. في ظل هيمنة الميديا ووسائل التواصل، كيف تقرأ تحوّل المثقف من منتِج للمعنى إلى جزء من اقتصاد الانتباه؟ وهل ترى في هذه المنصات فرصة لإعادة تعريف الدور الثقافي، أم خطرًا على عمقه ووظيفته؟ لا يخفى أن لمواقع التواصل إيجابيات كثيرة، وفي مجتمعنا السعودي، نرى كيف ساهمت المنصات في إحياء التراث الشعري والثقافي، ونشر المحتوى الهادف عبر حملات وطنية أو مبادرات شبابية وما يشبه ذلك. أما تحول المثقف من منتج للمعنى العميق عبر الكتب والمقالات الفكرية والإبداعية إلى مشارك في اقتصاد الانتباه، فقد أصبح الانتباه مورداً تتنافس عليه الخوارزميات. وهذا الأمر يدفع المثقف إلى تبسيط أفكاره وتحويلها إلى محتوىً قصير جذاب لكسب الإعجابات والمشاركات، ما يجعله جزءاً من نظام تجاري همُّه الانتشار والترويج. أما بالنسبة للمنصات، فهي مزيج من فرصة وخطر، فالفرصة: تكمن في انفتاح المعرفة وديمقراطيتها والوصول الواسع إلى الجمهور، مع إمكانية إعادة تعريف الدور الثقافي عبر محتوى تفاعلي مبتكر (بودكاست، فيديوهات، ومنشورات مركزة) تركز على القيمة والعمق الشخصي. أما الخطر: فيتمثل في سطوة الخوارزميات على العواطف، المؤدية إلى سطحية الفكر، والإرهاق العاطفي، والاستقطاب، وتحويل المثقف إلى (تاجر انتباه) بدلاً من صانع معنىً دائم. في إحدى المشاركات الأدبية