×
محافظة الخرمة

حديث الذكريات ما قبل الإفطار .. رمضان بعيون الزمان مع علي السبيعي

صورة الخبر

حين نتأمل المشهد الرمضاني في المجتمعات المحلية خلال العقود الماضية، فإننا لا نمارس مجرد حنين إلى الماضي، بل نستنطق الذاكرة الثقافية التي شكّلت وجدان الأجيال، وأسهمت في بناء النسق الاجتماعي والديني لعلاقات الناس داخل أسرهم وأحيائهم. إنّ رمضان ليس مجرد عبادة موسمية، بل هو منظومة قيم متكاملة، تعكس روح الجماعة، ومرونة المجتمع، واستجابته للسياق الروحي والزمني. في هذا السياق، يصبح توثيق التجربة الرمضانية من أفواه الشهود الحقيقيين ضرورة بحثية، قبل أن يكون مجرد استذكار، لا سيما من أولئك الذين لا يستحضرون رمضان من زوايا الأكل والطقوس فقط، بل ممن عايشوا تفاصيله في الميدان، في حراكه المجتمعي، وطقوسه اليومية، وتحولاته عبر الزمن. فثمة فرق بين من يروي ما سمع، ومن يروي ما عاش وشارك وساهم في تشكيله. ولعل من أبرز الشهادات التي يمكن أن تُنير هذا النوع من الحوارات، هي تلك التي تصدر عن شخصيات جمعت بين الممارسة الإعلامية الميدانية، والاحتكاك اليومي المباشر بالمجتمع، سواء من موقع المسؤولية الرسمية، أو من خلال دورها الاجتماعي. ومن هنا، تأتي أهمية استضافة شخصية عايشت تحولات المحافظات الشرقية في المملكة، ومن أبرزها محافظة الخرمة، ورصدت بكاميرتها وقلمها نبض الحياة الرمضانية قبل أن تصبح مشهدًا موسميًا في إذاعة الرياض. شخصية مارست العمل الإعلامي في فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة، لسنوات في وكالة الأنباء السعودية، موثقةً ملامح التنمية والبيئة المحلية، ثم انتقلت إلى العمل الإداري الاجتماعي بصفتها عمدة لمحافظة الخرمة، لتبقى على تماسّ مباشر مع الناس وهمومهم، وأفراحهم ومناسباتهم، ومن بينها شهر رمضان المبارك بكل خصوصياته الرمزية. ضيفنا في هذه الحلقة هو الإعلامي السابق، والعمدة الحالي، الأستاذ علي بن عايض الناقول السبيعي، الذي يُحدّثنا في هذا الحوار الرمضاني العابق بالتفاصيل، النابض بالأصالة، والمفعم بالدلالات التي تستحق التوثيق. ⸻ كيف كان المجتمع يستقبل شهر رمضان في الخرمة خلال طفولتك؟ كان رمضان يأتي بهدوء، لكنه يحمل سكونًا مهيبًا، كأنّ المكان يتهيأ له دون ضجيج. لم تكن هناك نشرات إخبارية أو إعلانات تُبث على الشاشات، بل كان صوت المدفع هو الحدث، يُطلق من أطراف البلدة إيذانًا بدخول الشهر، يليه إطلاق بعض الطلقات النارية من الأهالي كنوع من الإشهار الشعبي. الكبار يتبادلون التهاني، والأطفال يتسابقون في حمل البشارة بين البيوت. كانت لحظة الإعلان عن رمضان ذات وقع خاص، تجمع بين العبادة والفرح الجماعي. ⸻ ما الذي تتذكره من مشهد أول إفطار رمضاني؟ تلك الصورة لا تزال محفورة في الذاكرة؛ الإفطار الأول له نكهة لا تُنسى. كنا نفطر في فناء البيت، حيث الهواء العليل والمائدة البسيطة. نبدأ بالتمر والماء، ثم القهوة العربية واللبن، وأحيانًا حليب الإبل. بعد صلاة المغرب، تُقدّم الشوربة، والتطلي، وخبز التنور الذي كانت والدتي – حفظها الله – تُعدّه بنفسها. وأتذكر أن “القرصان” كان حاضرًا في بعض الأيام، وتكفي قطعة منه لتُشبعك. رمضان لم يكن موسم طعام، بل موسم مشاركة؛ كل بيت يُرسل صحنًا ويستقبل آخر. لم يكن هناك تكلّف، بل محبة صافية وقلوب مفتوحة. ⸻ كيف كانت مظاهر الحياة بعد صلاة التراويح؟ بعد التراويح تبدأ الحياة الاجتماعية فعليًا. الأطفال يعودون للعب في الحارات تحت ضوء القمر أو السراج. نمارس ألعابًا شعبية بسيطة لكنها مليئة بالفرح، مثل: “الضومنة”، و”السبع حجارة”، و”الغميمة”. أما الكبار، فيجتمعون في المجالس المفتوحة، يتسامرون، ويحتسون القهوة، ويتبادلون القصص. وكان بعض الشباب يقرأون القرآن في حلقات صغيرة، أو يستمعون إلى أحد كبار السن يروي حكايات الماضي. رغم قلة الإمكانات، كان رمضان غنيًا بالحياة، ومفعمًا بالسكينة والطمأنينة. ⸻ وماذا عن طقوس السحور؟ السحور كان له طابع روحاني ومجتمعي في آنٍ واحد. بعض الأشخاص كانوا يؤدون دور “المسحراتي”، يطرقون الأبواب أو يرددون عبارات دينية مثل: “قوموا تسحروا”، وبعضهم ينشد أبياتًا شعبية تُوقظ الناس. أما وجبة السحور فكانت خفيفة: كبسة، تمر، حليب، أو خبز التنور مع السمن أو اللبن. لم يكن الناس يسرفون في إعداد الطعام، بل كانوا يركّزون على بركة الوقت والتخفف من الطعام استعدادًا لصيام يوم طويل. ⸻ ماذا عن استعدادات العيد بعد انتهاء رمضان؟ العيد مناسبة مفرحة تبدأ من لحظة رؤية هلال شوال. تُغسل البيوت وتُزيَّن بجهود بسيطة، وتُحضّر ملابس جديدة للأطفال – وإن كانت متواضعة. صلاة العيد كانت مركزًا للتجمع والتصافح، ثم تبدأ زيارات الأقارب وصلة الرحم. ومن أجمل العادات: اجتماع الجيران على “فطور العيد”، غالبًا في بيت كبير الحي أو شخصية معروفة، يتشاركون الطعام والكلام الطيب. العيد لم يكن ماديات، بل عاطفة، وتواصل إنساني صادق. ⸻ كيف كانت علاقة الإعلام بشهر رمضان في تلك الفترة؟ كنت أعمل في وكالة الأنباء السعودية، وكنت حريصًا على تغطية مظاهر رمضان في رنية والخرمة. الإعلام آنذاك كان توثيقيًا واقعيًا، نرافق الحدث، نلتقط الصور من الميدان، وننقل الروايات كما يرويها الناس. الإعلام الرمضاني كان امتدادًا لرسالة رمضان، ينقل القيم، ويبرز الموروث، ويعزّز الهوية. اليوم، مع تطور الأدوات، يبقى التحدي هو في صدق الرسالة وعدم الانجراف خلف الاستعراض والمبالغة. ⸻ ما دوركم اليوم كعمدة تجاه هذا الإرث الرمضاني؟ العمدة ليس موظفًا فقط، بل وجهة اجتماعية وثقافية. أسعى إلى دعم كل مبادرة تُعيد روح رمضان: الإفطار الجماعي، أنشطة المسجد، صلة الجيران. التغيرات حتمية، لكن بإمكاننا الحفاظ على الجوهر: التواصل، الرحمة، التعاون، وتعظيم هذا الشهر الفضيل. ⸻ كلمة أخيرة تحبون توجيهها؟ رمضان ليس وقتًا يُحسب بالتقويم، بل قيمة تُعاش بالنية والسلوك. علينا أن نُعيد له مكانته في القلوب والبيوت، ونُربي أبناءنا على معانيه: البذل، الصبر، الرحمة، والتكافل. ما عشناه في رمضان الماضي لم يكن رفاهية، بل تربية خالدة، وأتمنى أن يتذوق الجيل الجديد شيئًا منها، ليبقى رمضان كما هو: موسمًا للإيمان، ومحطةً للإنسان. ختام اللقاء: لم يكن هذا الحديث مجرد استرجاع لمشاهد رمضانية من الماضي، بل كان شهادة ذات عمق إنساني واجتماعي، تضيء شيئًا من ذلك الزمن الجميل، الذي صاغ الشخصية المحلية، وبنى ذاكرة المجتمع على البساطة، والرضا، والتكافل. شكرًا للأستاذ علي بن عايض الناقول السبيعي، الإعلامي السابق، وعمدة محافظة الخرمة حاليًا، على هذا البوح الرمضاني النابض، الذي نعدّه جزءًا من سجل الذاكرة المحلية، ومنارةً توجيهية للأجيال.