عندما نسترجع الماضي، نجد أن الذكريات تحمل معها عبق الزمن الجميل، حيث كانت الحياة أكثر بساطة لكنها مليئة بالقيم والتجارب التي تظل محفورة في الأذهان كالنقوش على جدران الزمن. في قلب هذه الذكريات، يبرز التاريخ كمرآة تعكس تفاصيل المجتمعات وقيمها، وهو ما يجسّده ضيفنا في هذا الحوار، المؤرخ والأديب عبدالله بن سعد الحضبي الثوري السبيعي، أحد أبرز المهتمين بالتاريخ والتراث الشعبي، والذي أسهم في توثيق ماضي محافظة الخرمة وقبيلة سبيع بأسلوب علمي مدعوم بالبحث والتحقيق. البدايات والتأثيرات الأولى س: كيف كانت نشأتك، وما تأثيرها على مسيرتك الأدبية والصحفية والتاريخية؟ ج: نشأت في بيئة قروية أصيلة، حيث كانت المجالس تضج بالحكايات والأشعار، وكان والدي -رحمه الله- محبًا للأدب والتاريخ، مما زرع في داخلي حب الكلمة والتوثيق منذ الصغر. كان للاستماع إلى إذاعتي الرياض والكويت، ومتابعة برامج البادية والشعر الشعبي والتاريخي، دور كبير في تشكيل وعيي الأدبي والتاريخي. كنا نصغي بشغف إلى قصائد الشعراء، ونتعلم من الرواة الذين يسردون قصص المجد والبطولات. كل ذلك زرع في داخلي حب التوثيق ورغبة في نقل هذه الحكايات للأجيال القادمة. رحلة التوثيق والصحافة س: كيف بدأت علاقتك بالصحافة والتوثيق التاريخي؟ ج: الصحافة كانت نافذتي الأولى لنقل تفاصيل الحياة القروية والتاريخية إلى خارج نطاقها الجغرافي. بدأت بكتابة مقالات توثق الأحداث والمناسبات في قريتي، وكنت أسعى من خلالها إلى تسليط الضوء على الشخصيات المؤثرة والتاريخ الجدير بالتوثيق. أما في التوثيق التاريخي، فقد كنت دائمًا مهتمًا بجمع الروايات الشفوية، والبحث في المصادر التاريخية، خاصة أن هناك بعض الروايات التي تختلف في تفاصيلها بين الرواة، مما جعلني حريصًا على التحقيق والبحث العميق قبل نشر أي معلومة تاريخية. واجهت صعوبات في نشر بعض أبحاثي، فهناك من يشكك في بعض الروايات أو يعتقد أنها لا تتماشى مع وجهة نظر معينة، لكنني تمسكت بالمنهج العلمي في التوثيق، معتمدًا على المصادر الموثوقة والوثائق القديمة، وهذا ما جعل كتبي تلقى قبولًا في الأوساط التاريخية والأكاديمية. الشعر وأثره في التوثيق س: كيف أثّر الشعر في كتاباتك الصحفية والتاريخية؟ ج: الشعر كان جزءًا أساسيًا من تكويني، وقد ساعدني على صياغة الأحداث بأسلوب سلس وجاذب للقارئ. تعلمت من الشعر كيف أختصر المشاعر في كلمات قليلة، وكيف أقدم وصفًا مشوقًا للأحداث والوقائع. كما أنني حرصت على توثيق بعض الأحداث من خلال القصائد النبطية التي تتناقلها الأجيال، فهي سجل حيّ يوثق المواقف الكبرى والشخصيات المؤثرة في المجتمع. الفرق بين الماضي والحاضر س: كيف ترى الفرق بين الحياة في الماضي والحاضر؟ ج: الحياة في الماضي كانت أكثر بساطة، لكنها كانت غنية بالقيم والمعاني. لم تكن هناك رفاهية أو تقنيات حديثة، لكن العلاقات الاجتماعية كانت أكثر تماسكًا، والمجتمع أكثر ترابطًا. أما اليوم، فقد سهّلت التكنولوجيا الكثير من الأمور، لكنها أفقدتنا بعض الجوانب الجميلة، مثل متعة الجلسات العائلية، وسحر الحكايات التي كانت تُروى في المجالس. س: كيف كان رمضان قديمًا في الخرمة؟ ج: رمضان في الخرمة قديمًا كان يتميز بالأجواء الروحانية والبساطة، حيث يجتمع الأهالي في المساجد لأداء الصلوات وقراءة القرآن. كانت مائدة الإفطار تعتمد على التمر والماء، يليه اللبن (حليب الغنم) وأكلات شعبية مثل القرصان والمراصيع. بعد التراويح، يجتمع الجيران والأقارب في المجالس لتبادل الأحاديث وتعزيز الروابط الاجتماعية. مستقبل التوثيق التاريخي ورسالته للشباب س: كيف ترى مستقبل التوثيق التاريخي في المملكة العربية السعودية؟ ج: المملكة اليوم تعيش نهضة كبيرة في مجال التوثيق والتاريخ، خاصة مع دعم الجهات الثقافية والمراكز البحثية لهذا المجال. هناك اهتمام متزايد بتوثيق التاريخ الشفوي، والحفاظ على الموروث الشعبي، ولكن لا يزال هناك الكثير من الأحداث والشخصيات التي لم تُوثّق بالشكل الكافي. أدعو الشباب إلى دخول هذا المجال، فهو ليس مجرد تدوين للماضي، بل هو مسؤولية تضمن حفظ هوية الأجيال القادمة. س: هل ترى أن الوسائط الرقمية ساعدت في حفظ التاريخ أم أنها تحدٍ جديد؟ ج: الوسائط الرقمية سلاح ذو حدين؛ فهي تساعد في نشر المعلومة بسرعة، ولكنها أيضًا قد تكون مصدرًا لنشر المعلومات غير الدقيقة. لذا، يجب على الباحثين التأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، والاعتماد على المصادر الموثوقة. س: ما رسالتك للشباب الطموح في مجالات الأدب والإعلام والتاريخ؟ ج: أقول للشباب: تمسّكوا بهويتكم، وكونوا أوفياء لقيمكم، فالأدب والإعلام والتاريخ ليست مجرد مجالات عمل، بل رسائل يجب أن تُحمل بصدق وأمانة. لا تخافوا من التعبير عن آرائكم، لكن احرصوا على أن تكون الكلمة مسؤولة ومدعومة بالبحث والتحقيق. اقرأوا كثيرًا، واكتبوا بشغف، وابحثوا عن الحقيقة دائمًا، فالمعرفة هي السلاح الذي يمنحكم القوة والتميّز في مجالاتكم. ختامًا في ختام هذا الحوار الثري، نتوجّه بخالص الشكر والتقدير للأستاذ عبدالله بن سعد الحضبي الثوري السبيعي، الذي اصطحبنا في رحلة عبر الزمن، أضاء من خلالها صفحات من الماضي، واستعرض ذكريات نابضة بالأصالة والقيم العريقة. لقد وقفنا معه عند محطات صنعت منه الأديب والمؤرخ والإعلامي الذي نعرفه اليوم، والذي لم يكن مجرد كاتب أو شاعر، بل كان شاهدًا على عصرٍ للكلمة فيه وقع مختلف، وللحياة نكهة أكثر أصالة. ومع تغيّر الزمن، يظل التوثيق والإبداع هما الجسر الذي يربط الأجيال، ويحفظ للأمة تاريخها وتراثها.