×
محافظة المنطقة الشرقية

عين زبيدة.. مشروع سبق عصره

صورة الخبر

حين نتأمَّل تاريخ التَّنمية في المملكة العربيَّة السعوديَّة، ندرك أنَّ قضيَّة المياه كانت دائمًا في صميم معادلة الاستقرار والنموِّ، وأنَّ الابتكار في تأمين هذا المورد الحيويِّ ليس وليد العصر الحديث، بل يمتدُّ إلى جذور عميقة في التاريخ الإسلاميِّ، وتبرز «عين زبيدة» كواحدةٍ من أعظم الشواهد الحضاريَّة على ذلك، باعتبارها مشروعًا هندسيًّا عملاقًا سبق عصره بقرون طويلة، وأسهم في استدامة الحياة في مكَّة المكرَّمة، وخدمة ملايين الحجَّاج. تعود قصَّة عين زبيدة إلى العصر العباسيِّ، وتحديدًا في عام 186 للهجرة (802 للميلاد)، عندما أمرت السيِّدة زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد، بإنشاء قناةٍ مائيَّةٍ لنقل المياه العذبة إلى مكَّة المكرَّمة، والمشاعر المقدَّسة، وقد جاء هذا القرار بعد أنْ عانت مكَّة من شُحِّ المياه، خصوصًا خلال مواسم الحجِّ، حيث كان الحجَّاج يواجهُون صعوبات كبيرة في الحصول على الماء. لم يكن المشروع عاديًّا بمقاييس زمانه، بل كان عملًا هندسيًّا استثنائيًّا بكلِّ معنى الكلمة، فقد امتدَّت القناة لمسافة تقارب 38 كيلومترًا، انطلاقًا من مصادر المياه في وادي نعمان بالقرب من الطَّائف، مرورًا عبر الجبال والأودية، حتَّى تصل إلى مكَّة المكرَّمة، ثمَّ إلى منى ومزدلفة وعرفات، وشمل المشروع إنشاء قنواتٍ حجريَّةٍ وأنفاقٍ أرضيَّة؛ وبِرَكٍ لتجميع المياه، في تصميم يعكس مستوى متقدِّمًا من المعرفة الهندسيَّة. وتُروى عن السيِّدة زبيدة مقولتها الشَّهيرة التي أصبحت رمزًا للإرادة التنمويَّة: «اعملُوا ولو كلَّفت ضربةُ الفأسِ دينارًا»، في إشارة إلى إصرارها على إنجاز المشروع مهما بلغت تكلفته. وقد أنفقت أموالًا طائلةً من مالها الخاصِّ، في نموذجٍ مبكِّرٍ للمسؤوليَّة الاجتماعيَّة والاستثمار في البنية التحتيَّة لخدمة المجتمع. استمرَّت عين زبيدة تؤدِّي دورها الحيويَّ لأكثر من ألف عام، وتوالت أعمال صيانتها وترميمها عبر العصور العباسيَّة والمملوكيَّة والعثمانيَّة، ثمَّ حظيت باهتمام الدولة السعوديَّة منذ تأسيسها؛ إدراكًا لأهميَّتها التاريخيَّة والحضاريَّة. ومن منظور اقتصاديٍّ، يمكن اعتبار عين زبيدة أحدَ أهمِّ مشروعات الأمن المائيِّ في تاريخ الجزيرة العربيَّة، إذ أسهمت في استقرار مكَّة المكرَّمة عمرانيًّا واقتصاديًّا، وساعدت على استدامة مواسم الحجِّ، التي كانت -ولا تزال- ركيزةً أساسيَّةً في النشاط الاقتصاديِّ للمدينة. فالماءُ لم يكن مجرَّد مورد للحياة، بل كان أساسًا لازدهار التِّجارة والخدمات المرتبطة بالحجِّ. ومع دخول العصر الحديث، وبدء مشروعات تحلية المياه في المملكة، خصوصًا مع إنشاء محطَّات التَّحلية في جدَّة خلال القرن العشرين، تراجع الدور التَّشغيليُّ لعين زبيدة، لتحل محلها منظومة حديثة تُعدُّ اليوم من الأكبر عالميًّا في إنتاج المياه، وحسب التقارير وصل الإنتاج/ الطاقة اليوميَّة المجمَّعة من محطَّات التَّحلية (القطاع العام + الخاص) إلى حوالى 11.1 - 11.5 مليون م³/ يوم. ويبلغ الإنتاج من القطاع العام حوالى 7.5 ملايين م³/ يوم، والقطاع الخاص حوالى 3.6 ملايين م³/ يوم؛ ضمن إجماليٍّ يقارب 11.1 مليون م³/ يوم. وتُعدُّ محطَّة الجبيل في المنطقة الشرقيَّة من أكبر مرافق التَّحلية عالميًّا، حيث تبلغ سعتها حوالى 1.401 مليون م³/ يوم، ومحطَّة رأس الخير قرب الجبيل التي تبلغ سعتها حوالى 1,025,000 م³/ يوم. ومحطَّة الشعيبة في جنوب جدَّة، التي تبلغ سعتها حوالى 1.282 مليون م³/ يوم، ومحطَّة ينبع، التي تبلغ سعتها 450,000 م³/ يوم، ومحطَّة الشقيق 3 في ساحل جازان (منطقة الشقيق/ الدرب) التي تبلغ سعتها حوالى 450,000 م³/ يوم. وغيرها العديد من المحطَّات في مختلف المواقع. وهكذا، تقف عين زبيدة شاهدًا خالدًا على أنَّ التَّخطيط للمستقبل يبدأ دائمًا بفهم عميق لحاجات الإنسان الأساسيَّة، وأنَّ الريادة في إدارة الموارد المائيَّة ليست حكرًا على التقنيات الحديثة، بل هي امتداد لإرث حضاريٍّ راسخٍ قام على الرُّؤية، والإرادة، والمسؤوليَّة، فكما جسَّدت عين زبيدة في عصرها قمَّة الابتكار الهندسيِّ والأمن المائيِّ لمكَّة المكرَّمة، تأتي مشروعات التَّحلية الحديثة اليوم؛ لتؤكِّد استمراريَّة النَّهج ذاته، بروحٍ عصريَّةٍ، وتقنيات متقدِّمة، تضمنُ استدامة المياه، وتواكب النموَّ السكانيَّ والتنمويَّ المُتسارع في المملكة، وبين الماضي العريق والحاضر المتطور، تتجسد قصة الماء في مكة بوصفها قصة حضارة لا تنقطع، ورسالة تؤكد أن الاستثمار في الماء هو في جوهره استثمار في الإنسان، والتنمية، واستدامة الحياة. وبمناسبة يوم التأسيس للمملكة، نستحضر بكل فخر مسيرة العطاء المتواصل في مشاريع تحلية المياه، التي شكّلت ولا تزال سرّ الحياة وركيزة الاستقرار والتنمية. إنها امتداد لنهج تاريخي راسخ يؤكد أن بناء الدولة يبدأ من تأمين الماء، وينتهي بصناعة المستقبل.