×
محافظة المدينة المنورة

قائد غادر المنصب وبقي الأثر

صورة الخبر

ليس كلُّ مَن يغادر منصبه يرحل عن القلوب، فثمَّة قادة إذا غابُوا جسدًا، بقوا أثرًا، وإذا طُويت صفحات مسؤوليَّاتهم، بقيت بصماتُهم حيَّةً في الذاكرة والوجدان. هكذا كان الدكتور خالد الوسيدي -رحمه الله- أحد رجالات التَّعليم الذين لم تكن مناصبهم عنوانهم، بل كانت قيمهم، وإنسانيَّتهم، وصدق عطائِهم، وتواضعهم وكريم أخلاقهم. عرفته المدينة المنورة قائدًا تربويًّا من طراز رفيع، ومساعدًا لمدير التعليم للشؤون التعليمية، جسد معنى القيادة المسؤولة، قيادة تنحاز للعمل، وتؤمن بالفريق، وتقدر الإنسان قبل الإجراء. كان حضوره هادئًا، وقراره متَّزنًا، وأثره عميقًا لا يحتاج إلى ضجيج. عمل بإخلاص، وترك خلفه مسيرةً حافلةً بالمنجزات، شاهدةً على عقلٍ قياديٍّ، وروحٍ مخلصةٍ، وضميرٍ مهنيٍّ لا يساوم. تشرَّفتُ بالعمل معه، والاستفادة من خبرته، حين كان رئيسًا لفريق العمل في مشروع المدارس السعوديَّة الرَّائدة في تعليم المدينة، والتي تميَّزت على مستوى الوزارة من بين كلِّ المناطق المطبِّقة للمشروع بقيادته، وبمتابعة حثيثةٍ من مدير التعليم -آنذاك- الدكتور بهجت جنيد -رحمه الله-، تتلمذتُ على يد كلٍّ من هذين الرَّجلَين، وعرفتُ عن قُربٍ معايير القيادة الحكيمة المتَّزنة المُحبَّة، التي تترجم نظريَّات الإدارة إلى واقع نعيشه بكلِّ انتماءٍ، وإخلاصٍ، واتقانٍ، وجودةٍ، معهما عرفتُ معايير التميُّز الحقيقيِّ في الأداء، وتطبيق معايير الجودة الشَّاملة، وتحقيق المستهدَفات. رأيتُ في شخص الدكتور خالد -رحمه الله- عن قُرب كيف يكون القائد داعمًا لا متسلِّطًا، محفِّزًا لا متعاليًا، مؤمنًا بقدرات الآخرِينَ، حريصًا على نجاح الفريق كلِّه لا على بروز اسمه. كان يتعامل مع العمل بروح الشراكة، ومع زملائه بروح الأخوَّة، ومع التحدِّيات بعقلٍ منفتحٍ، وهمَّةٍ عاليةٍ. ولأنَّ القيم الحقيقيَّة تظهر خارج إطار المنصب، فقد تجلَّت إنسانيَّة الدكتور خالد الوسيدي في مواقف لا تُنسَى. حين بادر بنفسه للتواصل معي؛ لترتيب حفل تكريم لوالدِي -رحمه الله- بعد مسيرة أربعين عامًا في تعليم المدينة المنوَّرة، كان جُلُّها في العمل القياديِّ للمدارس، لم يكن ذلك واجبًا وظيفيًّا، بل كان وفاءً إنسانيًّا أصيلًا. واستمرَّ تواصله الكريم، اتِّصالًا بعد اتِّصالٍ، ورسائلَ تهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك، والعيدَين؛ لأقوم بإيصالها لوالدي، وكان حريصًا على سماع صوتِهِ في المناسبات. عندما عزمتُ على جمع سيرةِ الدكتور بهجت جنيد -رحمه الله- حرصتُ على التَّواصل معه، عن طريق زوجته، وقد علمتُ بمرضهِ، ولكنَّني لم أُردْ أنْ أتخطَّاه؛ وهو مَن عمل مع هذا القائد الاستثنائيِّ في حياتنا جميعًا نحن أهل المدينة، ومَن أكرمهم الله بصحبته، ولكن يكفيني أنَّني تعرَّفتُ على أهل بيته في هذه الأوقات الصَّعبة من حياة البشر، حتَّى أقومَ بواجب العزاء، وتقديم خالص الدَّعوات باسمي، وباسم كلِّ مَن عمل مع الدكتور خالد الوسيدي. رحمَ اللهُ الدكتورَ خالد عبدالعزيز الوسيدي، الرَّجل القدير، وصاحب الأيادي البيضاء، والهمَّة العالية، والوفاء النَّادر. وجزاهُ عن التَّعليم وأهلِهِ خيرَ الجزاءِ، وجعلَ ما قدَّم في ميزانِ حسناتِهِ، وجمعهُ، ووالدي، وكلَّ مَن يحبُّون في مستقرِّ رحمتهِ، مع النبيِّينَ والصدِّيقِينَ والشُّهداءِ والصَّالحِينَ وحَسُنَ أُولئكَ رَفِيقًا. فأهل العلم والتعليم لا يموتُونَ، بل يمتدُّ عمرهم بدون انقطاع في علم ورَّثُوه، وعمل صالح قدَّمُوه. سلامٌ على روحِ الدكتور خالد، وسلامٌ على أثرِهِ... فالقادةُ الحقيقيُّون قد يغادرُونَ مناصبهم، لكنَّهم لا يغادرُونَ الذَّاكرة أبدًا.