أثبت الجدل الصاخب الذي أشعله مقال للكاتب الدكتور أحمد التويجري، أن الرهان على موت الصحافة لم يكن سوى نبوءة خائبة، فالمقال لم يمر كحدث عابر، بل تحول إلى وقود حيوي لمنصات التواصل الاجتماعي، معيدا ترتيب المشهد ليؤكد أن المؤسسات الصحافية العريقة لا تزال تملك «صك الموثوقية» الأعلى، والقدرة الفائقة على تصدير محتوى يخترق الحدود الجغرافية ليصنع نقاشا إقليميا عابرا للقارات. وبغض النظر عن محتوى المقال من حيث الاتفاق أو الاختلاف مع بعض مضامينه، غير أنه يؤكد قدرة مقال رأي واحد على اختطاف الفضاء الرقمي والسياسي، ويبرهن على حقيقة جوهرية: «المحتوى الرصين هو المحرك الفعلي للمنصات الحديثة». لقد وجَد «سكان السوشال ميديا» أنفسهم أمام نص لا يكتفي بنقل الخبر، بل يحلله بلغة جريئة وتوصيفات قوية وصادمة؛ لغة يفتقدها ضجيج التغريدات العابرة. هنا، تحولت الصحيفة من وعاء ورقي ورقمي إلى مختبر للأفكار، يضخ في عروق الفضاء الرقمي دماء فكرية تكسر رتابة المحتوى السريع وتفرض أجندتها على النقاش العام. هذا المشهد تحديدا، يفتح الباب واسعا للتأييد والمباركة الشعبية والمهنية لمبادرة وزير الإعلام السعودي الأستاذ سلمان الدوسري في دعم وتطوير المؤسسات الصحافية وقد تطرقت لهذا في مقالي السابق بعنوان «الوزير يكتب للصحافة عمرا جديدا». إن ما حدث هو برهان عملي على جدوى هذه المبادرة؛ إذ تؤكد الدولة بوقوفها خلف الصحف المحلية أنها لا تدعم ورقا، بل تدعم «قوة ناعمة» قادرة على قيادة الدبلوماسية الشعبية وحماية الوعي الوطني، فاستثمار وزارة الإعلام في رقمنة واستدامة هذه المؤسسات هو استثمار في منصات الثقة التي تذود عن مواقف الدولة وتفسر قراراتها المصيرية باحترافية لا يملكها «الهواة». هذا التفاعل الكثيف على مقالة واحدة هو نموذج فقط وهناك الكثير من النماذج المقالية لكُتّاب الرأي، ما يبرهن على أن الصحافة لم تمت، بل تجلت في ثوب جديد، فهي -الصحافة- اليوم لا تتبع التريند، بل هي من تخلقه؛ لأنها تملك ترف العمق، وشجاعة الموقف، والقدرة على تفكيك المشهد المعقد في قوالب لا تستوعبها التغريدات المبتسرة. بصيرة: تخبرنا مقالات الرأي عبر الصحف وما يتبعها من أصداء أن الجمهور لا يزال جائعا للتحليل الرصين، وهي رسالة تؤكد أن مبادرة تطوير الصحافة جاءت في وقتها تماما، لتعيد الهيبة لـ«حبر الحقيقة» في مواجهة غثاء المنصات، ولتظل الصحافة هي المتن، وسيبقى غيرها هوامش.