علي ناصر آل عشيش في بلقرن، انبثقت المبادرة الرمضانية «أجاويد 4» التي أطلقها سمو أمير منطقة عسير تركي بن طلال بن عبد العزيز آل سعود، ورئيس هيئة تطويرها، وتحت رعاية سعاد محافظ بلقرن الأستاذ محمد سعيد عامر، لا بوصفها أنشطة موسمية عابرة، بل باعتبارها روحًا تسري في الجسد المجتمعي، توقظه من سباته، وتعيد إليه معنى الاستخلاف في أبهى صوره، لم يكن رمضان هذا العام زمن عبادة فحسب، بل كان زمن عمارةٍ تُبنى فيها القيم كما تُبنى المشاريع، ففي ظل رعايةٍ واعية، انطلقت بلقرن تستثمر إنسانها ومكانها. وجاءت مبادرات أجاويد في موسمها الرابع بمسارات جديدة منطلقة من استراتيجية تطوير منطقة عسير «قمم وشيم» تلك الاستراتيجية التي أطلقها سمو ولي العهد بهدف تحويل المنطقة إلى وجهة سياحية عالمية طوال العام، مستهدفةً 10 ملايين زائر واستثمارات تتجاوز 25 مليار ريال بحلول 2030، وقد نظمت المحافظة مئات البرامج والمشاريع والمبادرات خلال شهر رمضان ضمن مسارات المبادرة الستة: (مسار الاستثمار، والوجهات السياحية، والتنمية المجتمعية، والثقافة والتراث، والاستدامة البيئية، والتصميم الحضاري). إنها لوحةٌ متكاملةُ الملامح، تتآلف فيها مساراتُ العطاء والتنمية، وتتناغمُ فيها قيمُ التراث مع آفاق المستقبل، في مشهدٍ يُجسّد حيويةَ المكان ووعيَ الإنسان، ولكثرة ما قدمته بلقرن فإننا نُعَرِّج سريعًا على بعض مبادرات بلقرن دون إطالة، فقد نفذت جمعية البر والخدمات الإنسانية مبادرة (سلة أجاويد – عطاء مستدام) كما أقامت المحافظة مشروع «بيت المكسرات والقهوة البيشية» لتعزيز المنتجات التراثية وبهدف تعزيز وتنشيط الاقتصاد المرتبط بالهوية الغذائية للمحافظة. أما في سبت العلاية، فقد نهض التراث من سباته، كأنما نُفخ فيه من روح الماضي ما أعاده حيًا بين الناس، لم تعد القرية التراثية مجرد حجارةٍ صامتة، بل صارت ذاكرةً تمشي على قدمين، ومسرحًا تُستعاد فيه الحكايات، فتتجدد الصلة بين الأجيال، فقد فعَّلت القرية مشاريعها الثقافية والتراثية بهدف إحياء الموروث الثقافي وتحول الموقع مزارًا محتمعيًا، وعلى سفوح جبل البلس؛ حيث الطبيعة تكتب سطورها بصمت، انطلق مشروع بيئي ليؤكد أن التنمية لا تعني استنزاف الأرض، بل مرافقتها برفق، فجرى إطلاق الطيور والحيوانات البرية، واكتشاف شجرةٍ ضاربةٍ في عمق القرون تجاوزت 5 قرون. ولأن الهوية لا تُحفظ بالكتب وحدها، جاءت مبادرة «أشبال العرضة الجنوبية» بهدف تدريب النشء على العرضة الجنوبية وترسيخ حضورها بين الأجيال الجديدة وأقيمت العرضة في مواقع تراثية بالمحافظة، كما امتدت المبادرة إلى مشروع «مزرعة العنب» بمركز عفراء، التي زارها أمير المنطقة، واطلع على مشروعها الذي يجمع بين السياحة الريفية واستثمار المنتجات الزراعية المحلية مع توجه لتصدير منتجات المزرعة خارج المملكة. إن ما جرى في بلقرن ضمن «أجاويد 4» ليس تتابع مبادرات، بل نَفَسُ رؤيةٍ أوسع، تستلهم من الاستراتيجية الكبرى «قمم وشيم» روحها، وهكذا، تمضي بلقرن، لا تُسابق الزمن فحسب، بل تُعيد تعريفه؛ تجعل من المواسم منصات، ومن المبادرات جسورًا إلى تحقيق الرؤية المملكة وراحة السعوديين.