ارتبطت سورة الفيل في وعي كثير من الناس بالحدث التاريخي المعروف وهو فشل عدوان أبرهة على بيت الله الحرام قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. ووقف الوعي عند حدود الحدث ولم يتخطاه وانصرف عن دلالات السياق اللغوي ودلالة السياق الإنساني. إن الله سبحانه حين جعل هذه السورة إحدى سور القرآن لم يكن يكتب تاريخا ولا يؤرخ لحدث وإن أشار إليه. والسور المتصلة بأحداث تاريخية سور كثيرة. ولو كان الأمر كذلك لفقد القرآن قدرته على الاتصال بالإنسان عبر الأزمان واختلاف الثقافات والأعراف ولبطلت حجته وصار مثل الحدث الذي يؤرخ له. والمتأمل في السياق اللغوي للسورة، يجد أنها تحرص في بدايتها على تأكيد قدرة الله وحده على قهر القوة الباطشة بعد أن تهاوت القوة البشرية وتراجعت. جاء ذلك في صورة نفي وإثبات» ألم تر» التي تعنى العلم. والخطاب وإن كان موجها للموحى إليه، فإنه موجه لكل ذي عقل وبصيرة لأن الله هو رب كل الكون، فكأنما قال هو رب كل الناس حين قال « كيف فعل ربك بأصحاب الفيل» الذين اكتفى بالإشارة إليهم هذه الإشارة المجملة» أصحاب الفيل» التي صارت علما عليهم ولم يسم كبيرهم. وركز كل التركيز على» فعل ربك» بهم الذي جاء ردا بأبسط الوسائل على أضخم الوسائل. فقد توسل أبرهة بالفيل على رأس جنوده، وسخر الله الطير وهي أقل حجما وخطرا وأهون شأنا من الفيل. هذا الطير اسم جنس ليس له عدد وعدته سواده(أبابيل) جماعات متفرقة سود تحيط بأبرهة وجيشه وفيلته من كل جانب. فانظر إلى المجانسة المخيفة بين سواد الطير وسواد الجيش وربما الفيل والمشهد بكامله سواد في سواد في قارعة النهار والطير ترمي بقطع صغيرة صلبة من الطين الأسود رميات لا تخطيء مرماها. وكانت نهاية هذه القوة الباطشة نهاية مأساوية. ففي كل الحروب، نجد أشلاء المنهزم والأشلاء هنا ليست أشلاء بل هي « عصف مأكول» ورق ذابل نفضته الشجرة عنها، فالتقمته دابة لم ينفعها بعد أن لاكته، والسؤال الذي تأجل هو ماذا صنع أبرهة وجيشه؟ لقد كادوا لبيت الله ولسدنته من الناس لينصرف الناس عنه إلى مكان آخر اختاره أبرهة، هي ليست حربا دينية بل هي حرب اقتصادية، أو قل مكيدة. طغيان القوة يؤمن بالماديات فقط إن طغيان القوة يؤمن بالوسائل المادية وحدها ولا يدرك عواقب هذا البطش ولا نواتجه المأساوية على الناس. فأبطل الله كيده « ألم يجعل كيدهم في تضليل» وماذا تصنع كل قوة باطشة في كل زمن؟ إن البطش والطغيان جزء من دراما الوجود والجزء الآخر هو البناء والتعمير والسلام، أو مواجهة الهدم بالبناء والظلم بالعدل والظلام بالنور والجهل بالعلم والكفر بالإيمان حتى يبلغ الصراع مداه ونصل إلى ساعة الحسم التي تتجلى فيها قدرة الله. فيوسف كاد أن يزل لولا أن رأى برهان ربه. ويوم حنين حين اغتر الناس بكثرتهم» أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا» وأبرهة هو أبرهة كل عصر سيظل حاضرا في كل زمن. وسورة الفيل تصور سنة من سنن الله في كونه وهي دليل بليغ على طغيان القوة والبطش وعلى أن الله سبحانه مع من يعمل ويجتهد ويثابر ويتصل بالسماء حتى إذا فاض به تذكر فعل ربه بأصحاب الفيل;