عندما قررت محافظة سراة عبيدة إزالة بعض المجسمات التي لم تعد تعبّر عن روح المكان، لم تكن تلك الخطوة مجرد إزالة هيكلٍ من إسمنت أو حديد، بل كانت إعلاناً واضحاً بأن هوية المكان أهم من الزينة، وأن التطوير الحقيقي يبدأ من المعنى لا من الشكل. وغالباً تأتي هذه التزيينات برؤية مسؤولي البلديات، دون مشاركة أصحاب الرأي من مجتمع المحافظات.. وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة: أين يقف طريب اليوم من هذا الوعي الحضري؟. هذه المجسمات بلا معنى… بمعنى أنها عبىء بصري.. ومع الإعتذار الخفيف لبعض المعارضين لأي رأي، يجب القول لهم ولغيرهم، هذه الدوارات والساحات ليست فراغات نملؤها بأي شكل هندسي أو مجسم تقليدي لأجل رغبة فلان أو مجاملة علاّن. بل هي واجهة المدينة. وهي الصورة الأولى التي يراها الزائر، والذاكرة التي تبقى في ذهن العابر. وعندما توضع مجسمات لا تعبّر عن تاريخ طريب، ولا عن طبيعته، ولا عن إنسانه، فإنها تتحول إلى عناصر صامتة.. ومؤذية… أشكال موجودة بلا رسالة، وقائمة بلا روح. المحافظات الواعية ياصديقي لا تضع شيئاً عبثاً في مدنها وقُراها. بل كل رمزية تحكي قصة. فما هي قصة ومغزى أن تدخل طريب من أعلاه أو أسفله وتجد مثلاً مجسم لبيت طين، وأقواس!. ومجسم كئيب يقول لك هنا TAREEB.!. خف علينا يا شكسبير!. طريب يستحق ما يليق به، ولا يجب أن يكون مدينة بلا ملامح ناطقة تعبر عن ترابه وإنسانه. بلد له تاريخ، وله إرث اجتماعي عريق، وله طبيعة وموقع جغرافي يميزه. فيه رجال بشيمهم وكرمهم وتواضعهم صنعوا أثراً، ونساء لهنّ بصمات خالدة. وأرضه تحمل ذاكرة أجيال ورجال وقبائل هاجروا منه إلى الشمال .. فلماذا لا تتحول هذه المعاني إلى رموز حضرية؟. لماذا لا تكون دوارات طريب ناطقة بتاريخها؟، ولماذا لا يرى الزائر في مجسماتها انعكاساً لهويتها الطريبية؟. لسنا بحاجة إلى أشكال مكررة يمكن أن نجدها في أي مكان. ياصديقي الغاضب، إن رمزية البيوت والقصبات والساعات والفوانيس والأقواس “وكلها شينه” موجودة بكل مكان ولا تعني شيء مفيد، نحن بحاجة إلى رمزيات حضارية أقل صخب تقول: هنا طريب. المكان والتاريخ والإنسان.. وليس مجسم لحروف بائسة تقول هنا تاريب TAREEB !. التطوير ليس تجميلًا… بل تصحيح مسار. والاقتداء بتجربة سراة عبيدة لا يعني التقليد، بل يعني الجرأة في إعادة التقييم. ولنا أن نسأل: هل ما لدينا يعبر عنا فعلًا؟. ياصديقي العنيد، التطوير هو أن نفكر بشجاعة لنزيل ما لا يمثلنا، ونستبدله بما يليق بتاريخنا ومستقبلنا. وإزالة مجسمات بلا معنى ليست خسارة، بل بداية وعي. والمدينة التي تعيد تعريف هويتها البصرية، هي مدينة تستعد لمرحلة جديدة من الثقة بالنفس. هذه ليست سخرية جرداء، بل دعوة للارتقاء. وليست اعتراضاً على الماضي، بل طموحاً لمستقبل أجمل. وطريب أكبر من أن يختصر في أشكال لا تقول شيئاً عنه. وطريب يستحق أن يرى نفسه في شوارعه، وفي دواراته، وفي معالمه. ولا شك أن المكان الذي يحترم هويته يصنع مستقبله بثبات. أخيراً، ومع أنني أتحدث الإنجليزية بمخارج اللهجة الطريبية القديمة، لكن كلما تجازوت شرياء ومطمر الدهماء شمالاً، أجدني فجأة وبلا وعي، الّف الطّارة يميناً بسرعة البرق إلى جهة مفرق حبايبنا أهل العطيفة تحاشياً لرؤية مجسم (TAREEB) الأزرق بجوار البوابة الجنوبية، وما يسببه لي المجسم من تشوه بصري.. والمصيبة لو تطورت أم العطايف، وعرّفت نفسها بمجسم مماثل يقول هنا: AL-ATIFA!