دعانا زملاء كرام من عدة مناطق في المملكة لزيارة محافظاتهم. كنا نأتي جماعات، بتنسيق جميل من الزملاء الداعين. وسأتحدث هنا عن تجربة واحدة فقط… تجربة محافظة عنيزة. تقدّم زملاء من أبناء المحافظة، يتقدمهم سعادة اللواء والمحافظ السابق عبدالله بن يحيى السليم، بتقديم الدعوة وتنظيم الزيارة.. واللافت أن البرنامج لم يكن اجتهاد أفراد فقط، بل بتنسيق واضح مع المحافظة وأقسامها المختلفة. حافلة تُقلّ الزوار. استقبال من المحافظ في مكتبه مرحباً ترحيباً لا يثير الدهشة… لكنه يثير الإعجاب. زيارة للبلدية، وإيجاز للضيوف عن الأنشطة والمنجزات والميزانية، قائلةً لنا: تفضلوا حياكم الله، أنتم أصحاب الفضل لأنكم أخترتم محافظتنا مقصداً لكم.. ثم جولات في مواقع ثقافية وتاريخية وتراثية. إفطار مبكر، وحليب الصباح في مركز العوشزية، ووقفة عند منزل “مزنة” صاحبة المثل الشهير: الله يرحم مزنة. ثم جولة في البر والمنتزه الوطني، قبل أن نجتمع على الغداء في مخيم البلدية بين شجيرات الغضى. باختصار… لم يترك لنا المضيفون شيئاً إلا وأرونا إياه، حتى شعرنا أننا لو طلبنا رؤية تفاصيل الميزانية للعام القادم لقالوا: تفضلوا أيضاً. شيء مثير وجميل.. ولا نزال نزور محافظات أخرى بدعوات من أبناءها الزملاء الكرام.. العبد الفقير… جاءته أحلام يقظة، بحماس متذبذب لتطبيق هذه الفكرة!!.. فحاول ثلاث مرات أن يحزم رُكبه ويقلّد هذه الفكرة، ويدعو بعض الزملاء من أنحاء المملكة من عسكريين متقاعدين كبار، ومثقفين وإعلاميين وشخصيات فكرية لزيارة محافظة طريب. وفي كل مرة كنت أتحمس… وأتجول بالخيال مابين الصبيخة والعطيفة.. ثم يبدأ العقل أو قل “الجُبن” في أداء واجبه!. تنهال عليّ الأسئلة المنطقية: من سيستقبل الضيوف؟ ومن سينسق البرنامج؟ ومن سيقنع الناس بالمحافظة بذلك البرنامج، وأن زيارة مجموعة مثقفين للديرة ليست مؤامرة ولا مصلحة شخصية؟… ثم تأتي المبررات الأكثر واقعية: لا واسطة لديك. ولست واصلاً عند أحد في المحافظة. والناس بطبيعة الحال مشغولة بأعمالها الأهم من استقبال ضيوف قد يأتون فقط ليروا المكان وجهود أهله ومؤسساته. ثم يلوح بصيص أمل من زاوية ضيقة فأقول لنفسي: لديك علاقات جيدة، بالكرماء من مشايخ القبائل ورجال الأعمال وبعض الوجهاء… لكن ربما أدخل “دون قصد” في منافسة كرم لا داعي لها، فيتحول الضيوف من زائرين للمحافظة… إلى لجنة تحكيم. وبعد تفكير عميق لك عليه!… اتخذت القرار الإستراتيجي الإنسحابي القابل للتراجع التكتيكي. قررت تأجيل الفكرة إلى أجل غير مسمى. حتى يظهر من يمتلك الرغبة في المساعدة… والأهم… هي الرغبة الحقيقية المؤسسية في إبراز الوادي وعموم المحافظة بصورة مشرّفة في عيون وعقول الزائرين. أو حين يتكرم أحد من مسؤولي المحافظة ويتواصل قائلاً: اربط ركبك، الدولة ما قصّرت بشيء والمسألة أستقبال وجولة بسيارة حمولة ٢٥ راكب، أما الضيافة والإقامة فذاك شيء بينكم ويخصكم كزملاء.. ومجيء الضيوف للمحافظة شرف لنا… أعطنا الفكرة وخلّ عنك الأعذار الوهمية، وجلّ همّك ياولد الشايب، ومايعقلها إلاّ شايب. عندها فقط… سأفكّر جدياً في إخراج الفكرة من درج التأجيل للتنفيذ خلال الصيف القادم. وياخوفي حينها أن أنسحب بعذر سفر طارىء! … فلا أملك علاقة تُذكر بأي مؤسسة حكومية في المنطقة، ولا حتى في المحافظة. باستثناء صديق قديم… سمعت أنه تقاعد. ومنذ ذلك اليوم اختفى الرجل… وكأن بعض الوظائف الحكومية لا تنتهي بالتقاعد فقط، بل تنتهي معها الذاكرة أيضاً.. من يدري قد تأتي تلك الرسالة التي تقول: شد حزامك… . والأمر لا يحتاج لأكثر من إسناد فقط وترحيب واستقبال يبيض الوجه دون أدنى تكلفه مادية تذكر.. والباقي من ضيافات وإقامة “زاهبة” يتحملها الداعين .. الفكرة ليست صعبة… لكنها مثل كثير من الأشياء الجميلة تحتاج فقط من يقول: تفضلوا.