تشير التحليلات الدولية الجادة إلى أن دولة الصين استطاعت فهم العولمة والارتماء في مبانيها بذكاء ونجاح؛ فالدولة ليست بدولة ذات طابع «دعوي» تسعى إلى تصدير نموذجها التاريخي، كما فعلت وتفعل الدول الغربية كفرنسا التي دائماً ما كانت تسعى إلى تصدير النموذج الغربي زاعمة أنه لا يمكن تحقيق أي نجاح دون المرور وامتلاك ليس فقط نموذجها الفكري والمجتمعي والثقافي، بل نموذجها الاقتصادي والسياسي أيضاً؛ فالصين، ما دام أراضيها ومصالحها السيادية لا تمس بسوء، كانت ولا تزال دولة قائمة في سياستها الخارجية على عدم التدخل، والعمل بهدوء وعدم إثارة المشاكل، وتمؤسس لقاعدة مفادها بأن أي نجاح اقتصادي تحققه دولة، لا يعني ضرورة فشل الآخر أو حمله على الفشل في إطار ثنائية «صديق-عدو» وإنما في إطار «رابح-رابح» win-win. وقد جاءت دراسة نشرتها مجلة «فورين بوليسي» حول التنافس بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على العالم تشير إلى أن سياسة بكين القائمة على العلاقات الاقتصادية مع الدول، لها قدرة على الاستمرار لمدة أطول من سياسات واشنطن المبنية على التحالفات العسكرية. والذي يظهر لي أن التحالفات العسكرية والعلاقات الاقتصادية هما عاملان لمعادلة توازنية واحدة بالنسبة للدول العظمى، وستصبحان أهم محددات الفترة المقبلة التي ستطبع العلاقات في النظام العالمي الجديد. المهم هو أنه لا يمكن لأمريكا ولا للصين ولا لروسيا من التموقع والريادة في النظام العالمي بدون تحالفات عسكرية واقتصادية في نفس الوقت خلافاً لما جاء في تقرير المجلة الأمريكية سالف الذكر. وللكاتب المشهور نوشتلرين إشارات متعددة في مقالاته تشير إلى المصالح الجوهرية الأمريكية وعدد أربعة منها: الدفاع عن أرض الوطن، الرخاء الاقتصادي، النظام العالمي المفضّل ونشر القيم. الفائدة من تحديد هاته المصالح الأربعة والإعلان عنها بدقة ووضوح هي أن تساعد وتفيد في صياغة السياسة والإستراتيجية. فالدقة هي سمة في غاية الأهمية عند صياغة السياسة والإستراتيجية الجيدتين؛ والدقة تزيل الضباب وتوضح الرؤية وتوفرها وتمكن من إزالة جدار الغبش الفكري غير المقبول في العلاقات الدولية والعلوم السياسية المقارنة. وبالتوقف عند النظام العالمي المفضَّل هناك مسألة الفهم الدقيق لمجرياته ومآلاته، وكيفية الارتماء في مبانيه بنجاح والتربع على خوارزمياته، وهذا ما يجعل من مسألة نشر القيم التي تحدث عنها نوشتلرين غير دقيقة فيما يتعلَّق بالسياسة الخارجية الأمريكية والتي قبرها الرئيس الأمريكي ترامب لصالح أولويات أخرى. فقد فهم الرئيس الأمريكي من خلال سر نجاح تجربة خط الحرير الصينية أن الدولة الصينية ليست بدولة ذات طابع «دعوي» تسعى إلى تصدير نموذجها التاريخي، كما فعلت وتفعل بعض الدول الغربية.. وبالفعل، فمنذ سنوات، تقوم الصين بإنشاء طرق حرير جديدة؛ وقد بدأت مغامرة أول طريق للحرير مع ماركو بولو قبل نحو 1000 عام؛ وبمرور السنين، أصبح هذا البرنامج الاستثماري الضخم في البنية التحتية بمثابة السياسة الكبرى للدولة.. وقد نجح الرئيس الصيني في إقناع العديد من دول العالم على النسخة الحديثة لهذا الممر الاقتصادي والتجاري. ويقوم العملاق الصيني بتغيير الخريطة الاقتصادية العالمية على جميع الأصعدة، من الحوكمة العالمية إلى القواعد التجارية مروراً باحترام البيئة وعمليات الاستثمار، من خلال توظيفه استثمارات كثيفة في جميع أنحاء العالم. ويتكون مشروع بكين الطموح من قسم بري، ويتمثَّل في إنشاء وتمويل سكك حديدية بين الصين وأوروبا، وقسم بحري، يتمثَّل في استثمارات في عشرات الموانئ عبر العالم لتيسير التجارة الصينية. ففي القارة الإفريقية مثلاً، لا تبني الصين طرقاً فقط ولكنها تُكوِّن صداقات وتحالفات عسكرية، وتعتمد هناك على الاستثمار في بناء رأس المال الاجتماعي والبشري.. وتشير دراسة أجرتها «وكالة ماكنزي الأمريكية» إلى أن أكثر من 1000 شركة صينية تعمل حالياً في إفريقيا كما أن بعض المصادر تتحدث عن 2500 شركة، 90 بالمائة منها شركات خاصة. كما لا يخفى على المتتبعين الإستراتيجيين التواجد العسكري في إفريقيا؛ فقد سبق وأن أرسلت الصين بارجتين بحريتين إلى القرن الإفريقي وبالتحديد إلى جيبوتي، حيث تملك قاعدة عسكرية ولوجيستية هناك.. فما يزيد عن 400 عسكري أضحوا يتواجدون في هذه القاعدة لتأمين طرق الملاحة في القرن الإفريقي على مستوى خليج عدن والقرن الإفريقي. آخر الكلام: إن دولة الصين استطاعت فهم العولمة والارتماء في قواعدها بذكاء ونجاح؛ وهي تقول لأي دولة تتعامل معها إن أي نجاح اقتصادي تحققه دولة، لا يعني ضرورة فشل الآخر أو حمله على الفشل في إطار ثنائية «صديق-عدو» وإنما في إطار «رابح-رابح» win-win؛ هذا هو سر نجاح الصين اليوم وبدأت تطعم هذا النجاح بتحالفات عسكرية وهو ما يعقد سياسة الاحتواء الأمريكي للتمدد الصيني في العالم.