×
محافظة المنطقة الشرقية

د. رجاء القحطاني: الوعي النقدي والتمكين الأسري (حصانة) لا تقبل الاختراق - خالد محمد الدوس

صورة الخبر

مدخل: في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية.. هل تساءلنا يوماً لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟ هذه الزاوية الثقافية الأسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها.... نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة..! ضيفت هذه الزاوية الثقافية: د. رجاء القحطاني أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز نحّول العدّسة لرؤية العالم الاجتماعي كما يراه علماؤه: نظاماً معقداً من المعاني والقوى والصراع.. طرحنا عليها بعض التساؤلات من واقع معطيات علم الاجتماع.. ومنها: كيف تقرأ ظاهرة «الانكفاء الرقمي» حيث يقضي الفرد ساعات طويلة في العالم الافتراضي على حساب الوجبات الأسرية والاجتماعية؟ وهل نحن أمام أزمة «عزلة اجتماعية» في زمن الاتصال المفرط؟! أجابت الخبيرة الاجتماعية قائلة.. سيطرة التكنولوجيا على الحياة الاجتماعية تعد أبرز سمات عالم اليوم سريع التغير والذي أطلق عليه أنتوني قيدنز Runaway world» أي عالم منفلت ومتسارع التغير أو كما أطلق عليه سيجموند باومان مجتمع «الحداثة السائلة» التي يصعب تحديد مظهره لتغيره المستمر وتشكله بأشكال مختلفة من موقع لآخر كالسائل تماماً. ولا يقتصر تأثير التكنولوجيا في مجتمع ما بعد الحداثة على المجالين الاقتصادي والصناعي فقط بل على شتى مناحي الحياة حتى تغلغل في حياتنا الاجتماعية والنفسية. ورغم أن هذه التحولات جعلت العالم أكثر ترابطاً لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر تعقيداً وتأثيراً في علاقات الأفراد وهوياتهم وطرق تفاعلهم مع المجتمع. أصبح البعض يفضل العالم الافتراضي على الحضوري الواقعي لما يوفره من تنوع وتوافق مع الميول الشخصية والهويات كما أن العلاقات في العالم الافتراضي سريعة ويسهل الانسحاب منها، مثل الصداقات عبر الألعاب أو وسائل التواصل الاجتماعي. وتمثل ظاهرة الانكفاء الرقمي تضخم اعتماد الفرد على الفضاءات الرقمية في تعاملاته اليومية وتفضيلها على العالم الواقعي مما يشكل تهديداً على الروابط الأسرية والاجتماعية الحقيقية ويضعف من مهارات التواصل والحوار، كما يؤدي إلى شعور متزايد بالعزلة وزيادة معدلات الاكتئاب والقلق. هذه التأثيرات جعلت التكنولوجيا تتحول من مجرد أداة إلى قوة محورية تعيد تشكيل أنماط الحياة والهويات الاجتماعية في مجتمع ما بعد الحداثة الذي نعيشه اليوم. وحول صعود الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل.. طرحنا هذا التساؤل: هل أصبحت هذه المنصات هي «صانع القيم» الجديد.. بديلا عن المؤسسات التقليدية (الاسرة - المدرسة - المسجد..!). قالت: تعد دراسة تأثير الفضاءات الرقمية على القيم والهويات الاجتماعية أحد المحاور الأساسية في علم اجتماع الإنترنت، وهي تأثيرات ذات شقين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فالوسائط الرقمية تتيح وصولاً واسعاً للمعلومات والمعرفة وتمكن الأفراد من الاطلاع على ثقافات وأفكار متنوعة مما يعزز الانفتاح الفكري والتطور الذاتي والمواطنة الرقمية وقيم التسامح وتقبل الآخر، كما تفتح مجالات للمشاركة والتعبير عن الذات وبناء هوية شخصية واجتماعية تتجاوز القيود التقليدية. ومن جهة أخرى، قد تتحول هذه الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الرقمي إلى عنصر تهديد للقيم التقليدية سواءً القيم الدينية أو الوطنية، كما تزيد احتمال تبني قيم سطحية أو متطرفة غير مستقرة وشاذة عن المجتمع المسلم. وتتزايد خطورة التأثيرات السلبية مع تزايد ظاهرة الانكفاء الرقمي خاصة لدى الأطفال والمراهقين. وبالتالي فإن التكنولوجيا الرقمية اليوم لم تصبح بالضرورة صانع القيم بديلاً كاملًا عن الأسرة والمدرسة والمسجد، لكنها أصبحت عاملًا مؤثرًا بشكل متزايد في تشكيل القيم والسلوكيات، وأحد مقومات التنشئة الاجتماعية التي يجب توظيفها بالشكل الصحيح خاصة مع الأطفال و المراهقين. وفي تساؤلنا.. في ظل هذه التسارع عن مدى قدرة المجتمع المعاصر على تطوير» مناعة ذاتية».. أو آليات مجتمعية لفرز القيم الإيجابية من السلبية المستوردة رقمياً..؟! أوضحت.. مواجهة القيم الرقمية المستوردة تتطلب إستراتيجيات واعية ومتكاملة تجمع بين التربية، والتوجيه المؤسسي، وتنظيم استخدام الوسائط الرقمية. فالتكنولوجيا الرقمية ليست تهديدا مطلقا، بل أداة يمكن توجيهها لتعزيز القيم الإيجابية واستيعاب ما هو مفيد منها، مع حماية المجتمع من التأثيرات السلبية. وقد أصبح هذا الموضوع محور اهتمام كبير في علم الاجتماع، إذ يسعى الباحثون إلى إيجاد طرق لتوظيف التكنولوجيا الرقمية بشكل إيجابي، مع حماية الأجيال من تأثيراتها السلبية. وتتنوع الإستراتيجيات بحسب التجربة الوطنية لكل دولة، لكنها تشترك جميعها في الهدف المتمثل في فرز القيم الرقمية الإيجابية عن السلبية وتعزيز الاستخدام المسؤول للإنترنت. وهناك العديد من التجارب العالمية لتعزيز المناعة الذاتية في مواجهة التحديات التي يمثلها التطور التقني ومنها تجربة إسبانيا في رصد خطاب الكراهية والتحريض على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وضعت قوانين تلزم الشركات بالتحقق من عمر المستخدمين وحماية الأطفال دون 16 عاماً، أما أستراليا فقد اتخذت خطوة رائدة بمنع الأطفال دون 16 عاماً من التسجيل في منصات التواصل الاجتماعي، بهدف الحد من المخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالإدمان الرقمي والمحتوى الضار، مع التركيز على حماية الشباب وتعليمهم استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول. وهناك تجارب مشابهة في دول أخرى: ففرنسا تركز على برامج التوعية الرقمية والتحقق من عمر المستخدمين، بينما ألمانيا طبقت قانون NetzDG لمكافحة المحتوى العنصري أو الضار للأطفال، واليابان اعتمدت برامج تعليمية لتعزيز الأخلاقيات الرقمية بين الأطفال والشباب، في حين فرضت كوريا الجنوبية قيوداً على ساعات استخدام الألعاب الإلكترونية للأطفال للحد من تأثيراتها السلبية على القيم الاجتماعية. وتبذل المملكة العربية السعودية جهوداً متميزة في مواجهة مخاطر التهديد الرقمي عبر سنّ أنظمة مثل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية التي تجرّم السلوكيات الضارة إلكترونيًا. كما أنشأت المملكة جهات متخصصة مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني لتعزيز الحماية ووضع الإستراتيجيات. بالإضافة للاهتمام بدعم حملات توعوية وتدريب الكوادر والتعاون محليًا ودوليًا لضمان بيئة رقمية آمنة. وبشكل عام، تشير هذه التجارب إلى أن مواجهة القيم الرقمية تتطلب تعاوناً متكاملاً بين الدولة، والأسرة، والمدرسة، والمساجد، ووسائل الإعلام الرقمية، بحيث يتم تعزيز القيم الإيجابية مثل التسامح والانتماء الوطني والديني، وتقليل التأثيرات السلبية المرتبطة بالانعزال الاجتماعي أو القيم السطحية، ما يجعل الفضاءات الرقمية أداة لتعزيز قيم المجتمع واستقراره. وأخيراً.. ومن وجهة نظر سوسيولوجية.. سألنا المتخصصة في علم الاجتماع د. رجاء.. أي الفجوات أوسع اليوم: الفجوة الرقمية بين الأجيال، أم الفجوة في القيم بين الموروث الثقافي ومتطلبات العصر الرقمي..؟ أشارت قائلة.. تميل التحليلات الاجتماعية الحديثة إلى أن الفجوة القيمية بين الموروث الثقافي ومتطلبات العصر الرقمي هي الأوسع اليوم، وهو ما يتضح في أطروحات عدد من العلماء؛ إذ تشير شيري توركل المختصة بدراسة علاقة الإنسان بالتكنولوجيا بجامعة MIT إلى أن التحول نحو التواصل الرقمي أضعف عمق العلاقات الإنسانية وغيّر قيم التفاعل الاجتماعي. أما من وجهة نظر زيجمونت باومان فإن القيم في عصر «الحداثة السائلة» أصبحت أكثر هشاشة وسرعة في التغير، خاصة في البيئة الرقمية المتسارعة، مما يعمّق التوتر بين القديم والجديد. وفي السياق نفسه، يوضح بيير بورديو أن التفاوت لم يعد مقتصرًا على امتلاك التقنية، بل يمتد إلى رأس المال الثقافي والقدرة على توظيفها، وهو ما يعيد إنتاج الفوارق داخل المجتمع. وبذلك، تبدو الفجوة الرقمية بين الأجيال قابلة للتقلص مع التعلم، في حين تبقى الفجوة القيمية أعمق وأكثر اتساعًا وتعقيدًا.