×
محافظة الباحة

حين يدار الصراع من خلف الضجيج

صورة الخبر

في الحكايات الشعبية شيءٌ من الفطنة، التي لا تُدرَّس في كليات السياسة، لكنها كثيراً ما تُصيب جوهرها. ومن تلك الحكايات المثل الدارج في منطقة الباحة: “الدِّورَة على حوائج يوسف”، الذي لا يُقال عبثاً، بل عندما يكون المشهد صاخباً والخصومة ظاهرة، بينما الهدف الحقيقي يدور في مكانٍ آخر. هذا المثل- وإن خرج من سوقٍ شعبي بسيط- إلا أن منطقه يتكرر اليوم في ساحات أكثر اتساعاً، حيث لا تُعرض البضائع على بُسطٍ من الحصير، بل تُدار المصالح على موائد السياسة، وتُختبر الإرادات على تخوم النار. ما تشهده المنطقة من تصعيد متبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبدو في ظاهره مواجهةً مباشرة، لكنه في عمقه مشهدٌ متعدد الطبقات تُدار فيه رسائل الردع بقدر ما تُدار الحسابات، ويُرفع فيه منسوب التوتر بقدر ما تُختبر حدود الاحتمال. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الضجيج هو القصة الكاملة. فالتاريخ يعلمنا أن بعض الصراعات لا تُشعل فقط من أجل الانتصار، بل أحياناً من أجل إعادة التموضع، أو إعادة تعريف الخطوط الحمراء، أو جرّ أطراف أخرى إلى ساحة الاستنزاف دون أن تكون هي من أشعل النار. وهنا تتحول المنطقة إلى ما يشبه سوقاً مكتظة تتداخل فيها الأصوات، وتتقاطع فيها الأيادي، ويصعب على كثيرين التمييز بين من يخاصم فعلاً، ومن يكتفي بإشعال الفوضى ليصل إلى هدفه بهدوء. وفي خضم هذا المشهد، يظل السؤال الأهم معلقاً: على من تدور الدائرة؟ السياسة الرشيدة لا تنكر وجود الصراع، لكنها ترفض أن تكون جزءاً من فوضاه. فهي لا تنجرف خلف الإيقاع المرتفع ولا تُساق بردود الفعل، بل تقف عند مسافة تسمح بالرؤية الأوسع. فكم من أزمات اتسعت رقعتها؛ لأن أطرافاً لم تكن مستهدفة في الأصل، وجدت نفسها في قلب العاصفة، بعد أن أخطأت قراءة الاتجاه. تماماً كما فعل “يوسف” في الحكاية الشعبية، حين أدرك أن بقاءه في موقعه سيحوّله من تاجرٍ ناجح إلى غنيمة سهلة، فاختار الانسحاب في اللحظة المناسبة، لا خوفاً بل فهماً لطبيعة ما يجري حوله. لم يدخل في العراك ولم يبرر الخصومة لكنه أنقذ بضاعته قبل أن تكتمل الدائرة عليه. وفي السياسة، لا تقل هذه الفطنة أهمية. فالحكمة ليست دائماً في الاصطفاف ولا في رفع الصوت، بل في تحصين المصالح وتخفيف الخسائر وتجنّب التحول من مراقبٍ فطن إلى طرفٍ مستنزف في صراع تتجاوز نتائجه القدرة على التحكم. فليس كل صراعٍ معلن هو جوهر الأزمة، ولا كل ضجيجٍ يستحق أن نكون جزءاً منه. أحياناً، تكون الدِّورَة على حوائج يوسف، وأحياناً ينجو يوسف… لأنه عرف متى يغادر السوق.