حين يتأمل المرء في مسيرة الأمم والحضارات، يدرك أن الزمن وحده لا يصنع النهضة، بل إن الإرادة الصلبة والرؤية الثاقبة والقيادة الحكيمة هي التي تختصر المسافات، تختزل القرون في عقود. وليس ثمة شاهد أبلغ عن هذه الحقيقة من قصة الدولة السعودية، التي انتقلت من صحراء مترامية الأطراف إلى دولة حديثة تقف في مصاف الأمم الكبرى، في مدة زمنية لم تتجاوز مئة عام. في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، نحتفل نحن السعوديون بيوم التأسيس، وهو اليوم الذي يعود بالذاكرة إلى العام 1727م حين أسّس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى في الدرعية، واضعًا اللبنة الأولى لمشروع دولة عربية إسلامية تجمع شتات القبائل تحت راية واحدة ونظام حكم موحّد. كانت تلك اللحظة أكثر من مجرد إعلان سياسي، بل كانت ميلاد فكرة ستتجاوز حدود الجغرافيا والزمن. ثلاث دول... وإرادة واحدة لا تنكسر مرّت الدولة السعودية بثلاث مراحل تأسيسية، واجهت في كل مرحلة تحديات وجودية كادت أن تطوي صفحتها من التاريخ. سقطت الدولة الأولى، ثم قامت الثانية، ثم سقطت هي الأخرى. لكن الإرادة السعودية أبت إلا أن تُبعث من جديد. وفي عام 1902م، استعاد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الرياض في ملحمة بطولية لا تزال تُلهم الأجيال، ليبدأ منها مسيرة توحيد أجزاء الجزيرة العربية تحت لواء دولة واحدة، تُوّجت بإعلان المملكة العربية السعودية في عام 1932. ومنذ ذلك التاريخ، لم تكن المملكة تبني دولة فحسب، بل كانت تبني حضارة. مئة عام مقابل ستمائة لكي ندرك عظمة ما تحقق، لا بد من استحضار المقارنة التاريخية. فأوروبا التي نعرفها اليوم بمدنها العريقة وجامعاتها ومصانعها لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عبر مسيرة شاقة امتدت قرابة ستمائة عام. بدأت بعصر النهضة في القرن الرابع عشر، مرورًا بعصر التنوير، ثم الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، ثم الثورات العلمية والتقنية المتتالية، وصولًا إلى ما هي عليه اليوم. ستة قرون من التراكم المعرفي والصراعات والتحولات الاجتماعية والسياسية العميقة. أما المملكة العربية السعودية، فقد اختزلت هذه المسيرة في أقل من مئة عام. انتقلت من مجتمع صحراوي بسيط يعتمد على الرعي والتجارة المحدودة إلى دولة حديثة متكاملة الأركان: اقتصاد متنوع، وبنية تحتية تضاهي أرقى دول العالم، ومنظومة تعليمية وصحية شاملة، وحضور دولي مؤثر في كل المحافل. من الخيام إلى ناطحات السحاب حين دخل الملك عبد العزيز الرياض عام 1902م، كانت المدينة لا تتجاوز بضعة آلاف من السكان تحيط بهم أسوار طينية. واليوم، تتربع الرياض بين أكبر عواصم العالم وأسرعها نموًا، بمشاريع عملاقة تعيد تعريف مفهوم التخطيط الحضري. وليست الرياض وحدها، بل إن جدة والدمام وغيرها تشهد تحولات عمرانية تُذهل العالم. لقد بنت المملكة شبكة طرق تمتد عشرات الآلاف من الكيلومترات، ومطارات دولية، وموانئ بحرية، ومدنًا صناعية، وأحياء سكنية حديثة، في زمن قياسي يعكس همّة رجال دولة أدركوا أن البناء لا ينتظر. من الكتاتيب إلى الجامعات العالمية قبل التوحيد، كان التعليم في الجزيرة العربية مقتصرًا على حلقات المساجد والكتاتيب. أما اليوم، فالمملكة تضم عشرات الجامعات التي يتصدر بعضها التصنيفات العالمية، وعلى رأسها جامعة الملك عبدالله للعلوم التي أصبحت منارة للبحث العلمي على مستوى العالم. أرسلت المملكة عشرات الآلاف من أبنائها في بعثات تعليمية إلى أرقى جامعات العالم، فعادوا ليكونوا عماد النهضة في كل المجالات. هذا التحول التعليمي لم يكن عشوائيًا، بل كان مشروع دولة تدرك أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن المعرفة هي أساس كل حضارة. من النفط إلى الذكاء الاصطناعي اكتُشف النفط في المملكة في ثلاثينيات القرن العشرين، فكان نقطة تحوّل اقتصادية هائلة. لكن الحكمة السعودية لم تقف عند حدود الاعتماد على مورد واحد. فمنذ عقود، بدأت المملكة ببناء قاعدة صناعية متنوعة، من مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين اللتين تُعدّان من أكبر المشاريع الصناعية في العالم، إلى صناعات البتروكيماويات والتعدين والطاقة المتجددة. واليوم، تخطو المملكة خطوات واثقة نحو الثورة الصناعية الرابعة، باستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الحيوية والفضاء والطاقة النظيفة. ليست هذه خططًا على ورق، بل مشاريع تتحقق على أرض الواقع يومًا بعد يوم. رؤية 2030: حين يُصمَّم المستقبل ليصنع الحاضر لعل أبلغ تعبير عن الفلسفة السعودية في البناء هو رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. فهذه الرؤية لا تكتفي بالتخطيط للمستقبل، بل تُعيد تشكيل الحاضر على ضوء ذلك المستقبل. إنها فلسفة فريدة تقول: ارسم الغد أولًا، ثم ابنِ اليوم وفقًا لتلك الصورة. مشاريع مثل نيوم والقدية ومشروع البحر الأحمر ومشروع الدرعية ليست مجرد مشاريع عمرانية، بل هي تجسيد لرؤية حضارية شاملة تجمع بين الأصالة والحداثة، بين الهوية العربية الإسلامية والانفتاح على العالم، بين الطموح الاقتصادي والتنمية الإنسانية. سرّ الإنجاز: القيادة والإرادة يبقى السؤال: كيف تحقق كل هذا في مئة عام؟ الإجابة تكمن في عنصرين جوهريين: القيادة والإرادة. فمنذ الإمام محمد بن سعود، مرورًا بالملك عبد العزيز، ووصولًا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حملت كل حقبة قائدًا يملك رؤية واضحة وإرادة صلبة وإيمانًا عميقًا بقدرة هذا الشعب على صناعة المستحيل. لم ينتظر رجال الدولة السعودية أن يمنحهم الزمن ما يريدون، بل صنعوا زمنهم بأيديهم. حوّلوا الصحراء إلى مدن، والرمال إلى مصانع، والعزلة إلى حضور عالمي، والبساطة إلى حضارة متكاملة. وطن يستحق الاحتفاء حينما نحتفل نحن السعوديون بيوم التأسيس، فإننا لا نحتفل بتاريخ فحسب، بل نحتفل بمعجزة حضارية تحققت في عمر أمّة واحدة. نحتفل بدولة أثبتت أن الإرادة أقوى من الزمن، وأن الرؤية الصادقة تختصر القرون، وأن أمّة تملك قيادة حكيمة وشعبًا طموحًا لا يقف أمامها شيء. إنها قصة وطن لم يكتفِ بأن يلحق بالركب، بل تقدّم الصفوف وأصبح يرسم ملامح المستقبل للعالم أجمع. يوم تأسيس مبارك... ودامت المملكة العربية السعودية عزيزة شامخة.