قبل يومين توجَّهتُ لصلاة الفجر في رحاب مسجد قباء، توقَّفتُ عند ذكريات الطفولة، والشَّباب، والحنين لزيارة المسجد، بمعيَّة والدي ووالدتي -رحمهما الله-، وبعد الصَّلاة حظيتُ بصحبة أهل القرآن في حلقات التَّحفيظ، وما أجملها من صحبة، وتأمَّلتُ حالة الهدوء والسَّكينة والطَّمأنينة، وانسيابيَّة الحركة في السَّاحات. قبل فترة قصيرة من عمر الزَّمان، كان المسجد قبل التَّوسعة لا يستوعبُ كلَّ هذه الأعداد من الزوَّار والزَّائرات، حتى جاء عهد خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- ليشهد المسجدُ نقلةً نوعيَّةً في التَّوسعة الكُبْرى، والمشروعات التَّطويريَّة النَّوعيَّة، حيث استقبل خلال عام 2025 أكثر من ستة وعشرين مليونًا من الزَّائرِينَ والزَّائرات، ضمن منظومة خدمات متكاملة، هذا الرَّقم يُعدُّ مؤشِّرًا حقيقيًّا على أنَّ هناك جهودًا حثيثةً من القيادة الرَّشيدة، وكافَّة الجهات الحكوميَّة، ممثَّلة في إمارة المنطقة، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان -أيَّده الله-؛ وكل القطاعات المعنيَّة أدَّت لتوفير بيئةٍ آمنةٍ ومريحةٍ، فهيَّأت كلَّ السُّبل وطوَّرت كلَّ المرافق؛ لتكون الزيارةُ جزءًا من نمط حياة مريح ومنظَّم؛ ليشعر بعدها الزَّائرُ بالرَّاحة البدنيَّة والروحيَّة، وتتحوَّل الزِّيارة الدِّينيَّة إلى تجربةٍ تكامليَّةٍ ترفعُ من جودة الحياة الروحيَّة والاجتماعيَّة. ويأتي اهتمام سمو أمير المنطقة، امتدادًا للنَّهج المبارك للقيادة الرَّشيدة، من خلال متابعة دقيقة لكلِّ ما من شأنه الارتقاء بتجربة ضيوف الرَّحمن، وزوَّار المدينة من المسلمِينَ القادمِينَ من مختلف أنحاء العالم. فحين يصلُ عددُ الزوَّار إلى نحو 26 مليون زائر، فإنَّنا أمام رقم ضخم يعكسُ حجم العمل المؤسسيِّ المُتكامل الذي تبذله الدولةُ لتقديم خدمات عالية الجودة، وتنظيم احترافيٍّ، وبنية تحتيَّة متقدِّمة، تضمنُ للزَّائر تجربةً روحانيَّةً ميسَّرةً وآمنةً وملهمةً. حين يهل شهر رمضان، تتبدل ملامح المكان في مسجد قباء، ويغدو الفضاء أكثر إشراقا وطمأنينة،هنا في هذا المسجد الأول في الإسلام، تتعانق روحانية الزمان بقدسية المكان، في مشهد إيماني تتجدد فيه معاني الصفاء والسكينة في رحاب المدينة المنورة. وفي رمضان، تتجلَّى هذه الجهود بأبهى صورها. تتضاعف العناية بالتَّنظيم، وتتكامل الخدمات التطوعيَّة، وتتناغم الجهود الأمنيَّة والصحيَّة والخدميَّة، ليعيش المُصلُّون أجواءً إيمانيَّةً فريدةً بين صلاة، وقيام، وذكر، وتلاوة القرآن. وتمتدُّ العناية إلى المناطق المحيطة بالمسجد، حيث أسهم تطوير السَّاحات والطُّرقات والمرافق العامَّة في تنشيط الحركة السياحيَّة الدِّينيَّة، وصناعة بيئةٍ جاذبةٍ بطابع إسلاميٍّ مدنيٍّ أصيلٍ، يجمع بين الحداثة والهوية، ويوفر السَّكينة والطَّمأنينة. رمضان في قباء، هو قصَّة وطن يستثمرُ في الإنسان، ويصون تاريخه، ويطوِّر حاضره، ويصنع تجربةً دينيَّةً نوعيَّةً تليقُ بمكانة المملكة في قلب العالم الإسلاميِّ. وهو شاهدٌ على أنَّ العناية بالمقدَّسات ليست مسؤوليَّةً خدميَّةً فحسب، بل رسالة حضاريَّة تعكس عمق الانتماء، وصدق العطاء، ورُؤية تسعى إلى أنْ تكون تجربةُ الزَّائر في المدينة المنوَّرة تجربةً إيمانيَّةً متكاملةً، تبقى أثرًا في القلب ما بقيت الحياةُ. سيبقى حنينُ القلب والرُّوح لصلاة القيام، والتهجُّد، وصلاة العيد في مسجد قباء، ما بقيت الرُّوح في الجسد، ومع روعة حركة سرب الحمام الذي يحلِّق في السَّماء يحيط بمنارات المسجد، يُسبِّح مع المسبِّحِينَ، ويهلِّل ويكبِّر مع المهلِّلِينَ المكبِّرِينَ؛ تحلِّق الروحُ مع تجلَّيات رمضانَ وروحانيَّته، ونستشعرُ معنَى قول رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: إِذَا أقْبلَ رمضانُ فُتحتْ أَبوابُ الجِنَانِ وغُلقَتْ أبوابُ النِّيرانِ، وصُفِّدتِ الشَّياطِينُ. فاللَّهُمَّ اجعلنَا عندكَ من المقبولِينَ في هذا الشَّهر الكريمِ.