×
محافظة الرياض

يوم التأسيس.. سيادة المكان وصناعة المستقبل

صورة الخبر

في تاريخ الأمم أيامٌ تؤسس للعصور، وتصوغ مسار الأوطان لقرونٍ متعاقبة. ويوم التأسيس في المملكة العربية السعودية ليس مجرد محطة زمنية، بل لحظة تشكّلٍ استراتيجي أعادت صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، ورسّخت مفهوم الدولة في قلب الجزيرة العربية على أسسٍ من الاستقرار والوحدة. حين تولّى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله-، الحكم في الدرعية عام 1727م، لم يكن يؤسس سلطةً عابرة، بل كان يضع أساس مشروع دولةٍ مستقرة في بيئةٍ أنهكتها الانقسامات، تحوّلت الدرعية من نطاقٍ جغرافي محدود إلى مركز قرار، ومن موضعٍ على الخريطة إلى نقطة ارتكاز لكيانٍ سياسي راسخ، لم تكن سيادة المكان آنذاك مجرد حدود، بل تثبيتًا للأمن، وترسيخًا للوحدة، وصيانةً للهوية. وقد ارتبط ذلك التأسيس بقيمٍ راسخة في وجدان المجتمع؛ قيم التوحيد والعدل والاجتماع على الكلمة، وهي القيم التي منحت مشروع الدولة بعدًا أخلاقيًا ودينياً، وجعلت الاستقرار خيارًا واعيًا لا ظرفًا عابرًا. فالدولة التي قامت على وحدة العقيدة ووحدة الصف، استطاعت أن تحوّل التنوع الجغرافي إلى انسجام وطني، وأن تجعل من الدين عامل بناءٍ وترسيخٍ للعدل. ثم جاء عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، فاستعاد الرياض عام 1902م، ووحّد العباد والبلاد عام 1932م، لينتقل المشروع من استعادة المكان إلى بناء الدولة الحديثة. كان التوحيد امتدادًا لذلك الأساس القيمي، حيث اجتمع الاستقرار السياسي مع مرجعيةٍ دينيةٍ معتدلة في صياغة نموذج دولةٍ حافظت على هويتها، ورسّخت منهج الاعتدال، وانفتحت في الوقت ذاته على متطلبات العصر دون أن تتخلى عن ثوابتها. ومن هنا تتجلى النقلة النوعية الكبرى: من سيادة المكان إلى صناعة المستقبل. وفي ظل رؤية السعودية 2030، دخلت المملكة مرحلة تعيد تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين، لم تعد القوة تُقاس باتساع الرقعة فحسب، بل بقدرة الدولة على تمكين الإنسان، وتوطين المعرفة، وتنويع الاقتصاد، وبناء نموذج تنموي مستدام. وأصبحت المملكة عضوًا فاعلًا في مجموعة العشرين، وشريكًا مؤثرًا في التحولات العالمية في الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي، ومركزًا لوجستيًا يربط القارات، محوِّلةً موقعها الجغرافي من معطى ثابت إلى ميزة استراتيجية تُدار بوعي وتُستثمر برؤية شاملة. إن هذا التحول لا ينفصل عن الجذور، بل يستند إليها؛ فالثبات على القيم التي قامت عليها هذه البلاد هو الذي يمنحها الجرأة على التطوير، ويجعل التنمية امتدادًا للهوية الوطنيّة، ومن هنا كان التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين المرجعية الراسخة والطموح المتجدد، سمةً بارزة في مسيرة الدولة السعودية عبر ثلاثة قرون. إن يوم التأسيس يذكّرنا بأن الدولة التي وُلدت من رحم التحديات لا تعرف التراجع، بل تحوّل كل تحدٍ إلى فرصة، وكل منعطف إلى انطلاقة جديدة. من بناء الأسوار إلى تشييد المدن الذكية، ومن تأمين الطرق إلى قيادة المبادرات الدولية، ومن إدارة الموارد إلى صناعة الإنسان وتطوير المكان؛ تلك مسيرة وطنٍ جمع بين قوة الإيمان وصلابة القرار، وبين ثبات الهوية وحيوية التحول. وكما قال سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-: «السعودي لا يخاف». وهي عبارة تختصر روح الشعب السعودي؛ شعب التفّ حول قيادته، وآمن بقدراته، ورسّخ بثباته دعائم وطنٍ تأسس على العزم، ويواصل اليوم مسيرته بثقةٍ وشغفٍ نحو مستقبلٍ أوسع أُفقًا وأعمق أثرًا. وفي هذا اليوم المجيد، نجدد العهد بأن تبقى المملكة العربية السعودية دولةً راسخة في المكان، متجذرةً في قيمها، طموحةً في رؤيتها، تمضي بثباتٍ وعزمٍ من سيادة المكان… إلى صناعة المستقبل. حفظ الله المملكة، وأدام عليها قيادتها الرشيدة، وشعبها الطموح، وأمنها الوارف، واستقرارها الراسخ، وازدهارها المستدام. عضو مجلس الشورى*