×
محافظة الرياض

الرياض: تحتضن أضخم الفعاليات.. وترتقي بوهجها - باسم سلامة القليطي

صورة الخبر

الرياض تغيّرت كثيراً خلال السنوات الأخيرة، وهذه حقيقة يراها كل من يعيش فيها أو يزورها. المدينة لم تعد كما كانت في شكلها أو حضورها أو نوع الفعاليات التي تستقبلها. صارت أكثر استعداداً، وأكثر قدرة على تنظيم أحداث عالمية كبيرة دون مبالغة ولا محاولة لفت الانتباه. كل شيء يجري بطريقة عملية وواضحة: بنية تحتية مجهّزة، تنظيم متقن، وتوجه مباشر نحو جعل الرياض محطة ثابتة في تقويم الفعاليات الدولية. هذه ليست صورة من خيال، بل واقع نراه في الشوارع، وفي الأماكن التي تمتلئ بالناس كلما جاء حدث جديد على أرضها. لم يكن السعوديون في الثمانينات يتخيلون، وهم يتابعون عروض المصارعة على التلفاز بتعليق إبراهيم الراشد، أن تلك الرياضة التي كانت تبهرهم، ستأتي يوماً وتصبح جزءاً من ذاكرة المدينة وفعالياتها. كان ذلك الزمن يشبه الحلم؛ أصوات المصارعين، الحماس، الدراما المسرحية، والتعليق العربي العفوي الجميل. ومع مرور السنين، بقيت المصارعة حاضرة في مخيلة جيلٍ كامل، وفي 2018 عندما أقيمت على أرض المملكة كحدث حي لأول مرة، بدا الأمر أقرب إلى عودة حلمٍ قديم من شاشة صغيرة إلى واقعٍ يملأ الحلبة والعيون. ذلك الربط بين الماضي والحاضر يذكرني دائما بأن الأحلام لا تموت، بل تنتظر زمنها المناسب لتعود، أكبر وأبهى وأقرب. استضافة الرياض لحدث Royal Rumble في يناير 2026، للمرة الأولى خارج أمريكا الشمالية، ليس مجرد إضافة جديدة في سجل الفعاليات. الحدث يمثل خطوة تؤكد أن المملكة أصبحت وجهة مؤثرة في صناعة الترفيه الرياضي عالمياً. الفكرة بسيطة في ظاهرها: منافسات تُقام في حلبة واحدة، عشرات المصارعين يتنافسون على البقاء، والفائز يحصل على فرصة للمشاركة في (ريسلمانيا). لكن ما يحيط بالحدث من تنظيم، ونقل، وحضور جماهيري، وتغطية عالمية، يجعل استضافته مؤشراً عملياً على قدرة الرياض على إدارة فعالية من هذا المستوى دون أن تكون هناك حاجة لطمأنة أو إثبات مسبق. هذا النوع من الفعاليات يختبر المكان من حيث الاستعداد والاستيعاب، والرياض أثبتت خلال السنوات الماضية أنها قادرة على التعامل مع هذا الحجم من التنظيم بثقة وهدوء. قد يظن البعض أن المصارعة مجرد تمثيل، لكنها في حقيقتها عمل شاقّ تُبنى تفاصيله على سيناريوهات درامية، وشخصيات تُصنع على مدى سنوات. ومع ذلك، فإن كل حركة فيها تنطوي على احتمال ألمٍ حقيقي، وربما خطرٍ حقيقي. هذا التوازن بين الخيال والخطر هو ما يجعلها عالماً مختلفاً، عالماً يتداخل فيه الأداء مع الشجاعة، ويُصبح فيه الجسد هو النص، والخطر هو الحبر، والحلبة مسرحاً يُعاد بناؤه كل ليلة. ورغم كل شيء، يبقى الإنسان حاضراً في التفاصيل: خوفٌ لا يُقال، شغف لا يهدأ، ومحاولة دائمة لترك أثر في ذاكرة المتابعين. منذ سنوات، والرياض تتغير بطريقة تشبه النضج الهادئ؛ بلا ضجيج ولا مبالغات، بل تحولٌ ثابتٌ وواثق. أصبحت المدينة التي كانت تُرى لسنوات بعيون محلية، تُرى اليوم بعينٍ عالمية: مهرجانات، مؤتمرات، بطولات دولية، فعاليات ثقافية، حفلات كبرى، واستضافات سياسية واقتصادية ضخمة. هذه المدينة لم تعد تلاحق العالم؛ أصبحت محطةً يقصدها العالم. وبين التحولات الكبرى التي تشهدها، يمكن للمرء أن يشعر بأن الرياض لا تقيم فعاليات فحسب، بل تبني سرديتها الجديدة: مدينة تكتسب وزنها من ثقتها بأبنائها، ومن قدرتها على أن تفتح أبوابها لكل جديد دون أن تفقد روحها الأصيلة. حين تستقبل الرياض Royal Rumble، فهي تستقبل أكثر من جمهور ونجوم مصارعة؛ تستقبل رواية جديدة تُضاف إلى سيرتها، وشاهداً على قدرتها على أن تكون مركزاً يقصده الناس من كل ثقافة وكل لغة. المغزى العميق لهذا الحدث لا يتعلق بالمصارعة وحدها، بل بالقدرة على استيعاب صناعات ترفيهية عالمية، وإدارة مناسبات بمستوى دولي، وتقديم نموذج مختلف لحضور المدن في الساحة العالمية. ختاماً، إذا كانت الرياض قد وصلت إلى هذه المرحلة خلال سنوات قليلة، فهذا يعني أن ما هو قادم سيكون أوسع وأكثر استقراراً، لأن المدينة تسير في اتجاه واضح، وتبني صورتها الجديدة بناءً على واقع ملموس، لا على توقعات أو وعود. وفي ليلة 31 يناير 2026، حين تتجه أنظار الملايين إلى الرياض، لن تكون الصورة مجرد حلبة ومصارعين، بل دليل عملي على أن المدينة أصبحت جزءاً أصيلاً من مسار الفعاليات العالمية، وأن هذا الدور سيستمر ويتطور مع الوقت.