×
محافظة المنطقة الشرقية

الذاكرة الشفهيّة الوجدانية في السعودية.. نبض الحياة

صورة الخبر

ayaamq222@gmail.com في ذاكرة الشعوب تسكن الأرواح، وتعيش الأصوات التي سبقتنا. هناك، في أعماق الزمان، تبقى الحكايات التي لم تُكتب يومًا، بل عاشت على ألسنة الجدّات والآباء، تتناقلها الأجيال كما تتناقل الأنهار ماءها. في تلك المساحة المضيئة من الذاكرة، تختبئ أصوات الذين عاشوا الحياة ببساطتها وصدقها، فصاغوا بحكاياتهم سجلاً إنسانيًا حيًّا لا تُدركه الأقلام ولا تحفظه الوثائق وحدها. ومن هنا تولد أهمية الذاكرة الشفهية التوثيقية، فهي ليست مجرد أرشيف للماضي، بل روحٌ تُبعث في الحاضر، ووسيلة لاستدامة الوعي الثقافي الذي يصون الهوية من التآكل، ويعيد للحكاية مكانها في سرد التاريخ. أدركت المملكة العربية السعودية مبكرًا أن الذاكرة لا تُحفظ بالقوانين وحدها، بل بالصوت والرواية والتوثيق. كانت من أوائل الدول التي جعلت من التوثيق الشفهي مشروعًا وطنيًا، يربط الإنسان بالمكان، والماضي بالحاضر، والكلمة المنطوقة بالكلمة المكتوبة. لم تكتفِ بجمع القصص والروايات، بل سعت إلى توثيق الأماكن والمسميات والآبار والقرى والبيوت القديمة، لأن المكان في نظرها ليس جغرافيا جامدة، بل ذاكرة حيّة تنبض بالحكاية، وتختزن بين جنباتها نبض الإنسان الذي عاش فيها. ومن هذا الإيمان العميق وُلدت جهود مؤسسية كبرى، حملت مشعل التوثيق بكل إخلاص ودقة. فقد تأسست وحدة الذاكرة السعودية بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية عام 2017 لتكون بيتًا يحفظ الأصوات قبل أن تختفي، ويؤرخ للحياة الاجتماعية والثقافية والفنية في المملكة. تسعى هذه الوحدة إلى تسجيل الروايات الشفهية من مختلف مناطق الوطن، وتوثيقها ضمن أرشيف علمي منظم يتيح للباحثين إعادة قراءة التاريخ من وجهة نظر الرواة أنفسهم. ومن أبرز أعمالها تفريغ تسجيلات د. سعد الصويان، الذي جمع ذاكرة الناس في قصصهم وأمثالهم وأهازيجهم، فصارت تسجيلاته خريطة وجدانية لتراث الجزيرة العربية. وفي الوقت ذاته، حملت دارة الملك عبدالعزيز مسؤولية تخليد الذاكرة الوطنية من خلال مبادرات إبداعية مثل "تاريخنا قصة"، التي تُعيد تقديم السرد التاريخي بروح فنية قادرة على ملامسة الوجدان، وتكرّم الرواة والباحثين الذين حفظوا التاريخ بأصواتهم وإخلاصهم. أما وزارة الثقافة فقد خطت بخطى واثقة نحو بناء ذاكرة رقمية مستدامة، تضع أسسًا موحدة لتوثيق التراث المادي وغير المادي، وتنفّذ مشاريع ميدانية في كل منطقة من مناطق المملكة. من الأحساء إلى تبوك، ومن الجوف إلى نجران، يعمل الميدانيون والباحثون على تسجيل الروايات والطقوس والمناسبات الشعبية والأمثال والأهازيج، لتبقى الذاكرة محفوظة في شكلها الأصيل، قابلة للانتقال إلى الأجيال القادمة. ولم تكن المؤسسات وحدها من حملت هذا الهمّ الثقافي؛ فقد سعى الباحثون الأفراد والمبادرون إلى جمع الحكايات من أفواه كبار السن والمعمّرين، ممن حفظوا التجارب الشعبية في صدورهم. من بينهم الباحث محمد بن عبدالرزاق القشعمي، الذي كرّس سنواتٍ من عمره لتسجيل الروايات الشعبية، وإعادة سرد الوجدان الجمعي للمجتمع السعودي، ليسدّ الفجوات التي لم تبلغها الكتابات الرسمية أو الدراسات الأكاديمية. وفي سجل الذاكرة السعودية، يسطع اسم الأديب والباحث عبدالكريم بن عبدالعزيز الجهيمان – رحمه الله – الذي كان رائدًا حقيقيًا في مسيرة التوثيق الشفهي. بدأ من نجد، يستمع إلى كبار السن، ويدوّن الأمثال الشعبية التي كانت تختصر حكمة الناس وتجربتهم في الحياة. درسها، وفسّرها، وقارنها بالأمثال العربية القديمة، حتى جمع ما يقارب تسعة آلاف مثل أصدرها في سلسلته الشهيرة "الأمثال الشعبية من قلب الجزيرة العربية" عام 1383هـ. ثم واصل مشروعه الكبير في توثيق الأساطير الشعبية التي كانت تتناقلها الألسن في أرجاء المملكة، فأصدر مجموعته الخالدة "أساطير من قلب الجزيرة العربية" عام 1387هـ في خمسة أجزاء تضمنت مئة وأربعين أسطورة. لم تكن هذه المهمة سهلة، فالمعلومة تُؤخذ من ذاكرة كبار السن، وتحتاج إلى صبرٍ ودقةٍ واستماعٍ طويل، لكنه كان يدرك أن الكلمة التي لا تُكتب تُنسى، وأن الأصوات التي لا تُسجَّل تختفي مع أصحابها. وقد امتد أثر جهيمان إلى ما بعد حدود الوطن، حين تُرجمت أعماله إلى لغاتٍ عدة، منها الروسية، لتصبح الذاكرة السعودية جزءًا من الذاكرة الإنسانية الكبرى، شاهدةً على أن الحكاية السعودية ليست محلية فقط، بل إنسانية في جوهرها وعمقها. وفي هذا السياق، يبرز أيضًا خالد العمر، مدير إدارة التراث الثقافي غير المادي، الذي لا يرى في التراث مجرد وثائق، بل تجربة حسية كاملة. فحين رجع إليه طاقم العمل الفني ليستشيره في تفاصيل دقيقة لمشروعات تراثية، لم يرجعوا إليه كمسؤول إداري، بل كعارف يدرك أن كل رقصة، وكل أغنية، وكل حكاية تحمل روح المكان والإنسان معًا. إنه يقرأ التراث بعيني القلب قبل عين الباحث، ويستمع إلى التفاصيل الصغيرة التي تشكّل نبض الهوية. وكذلك نجد في الكتابة التوثيقية الأدبية صوت د. سعود بن صالح المصيبيح، الذي أضاف بعدًا وجدانيًا آخر للذاكرة. ففي مقاله عن شارع الأعشى، لم يكتفِ بوصف المكان، بل جعل من كل حجرٍ وكل زاوية، وكل ركنٍ فيه حكاية حية تنبض بالحياة القديمة والوجدان الجمعي، كما لو أن الشارع نفسه كان يهمس للرواة والمستمعين على حد سواء. إن ما تجمعه هذه التجارب - من جهود المؤسسات الحكومية، ووحدة الذاكرة السعودية، ودارة الملك عبدالعزيز، ووزارة الثقافة، إلى باحثي الميدان -، يظهر أن الذاكرة الشفهيّة الوجدانية في المملكة ليست مجرد سجل للماضي، بل نبض مستمر للحاضر والمستقبل.