×
محافظة الرياض

ثبات الرياض والتوازن الديناميكي

صورة الخبر

​تخضع المنطقة اليوم لعملية إعادة صياغة جذرية في موازين القوى، حيث تبرز الرياض كمرتكز ثقل إستراتيجي لا يعتمد فقط على الموارد، بل على ما يمكن تسميته بـ«الهندسة السيادية». وفي ظل هذا التحول، تظهر مشاريع إقليمية تحاول تعظيم نفوذها عبر أدوات «السيولة» والفوضى، وهو ما يستوجب قراءة معمقة في أسباب هشاشتها أمام صمود الدولة الوطنية المستقرة. ​أولاً: العقلانية السعودية كصمام أمان ​إن ما تشهده الدبلوماسية السعودية من هدوء ورصانة ليس انكفاءً، بل هو «عقلانية إستراتيجية» تترفع عن «ضجيج الصغار». الرياض تدير أزمات المنطقة بموجب توازن ديناميكي يفرق بين «شريك المصير» وبين من ضلّت بوصلته في زحام الأجندات. هذا التوازن يمنح الدولة القدرة على احتواء الخصوم وتحويل مسارات الصراع من الاستنزاف إلى الاستقرار السيادي، ممارسةً دورها القيادي كصمام أمان للنظام الإقليمي برمته. ​ثانياً: معضلة الحواضن الفكرية وهشاشة المشاريع ​يكمن الفارق الجوهري بين المشاريع الكبرى والمشاريع الهامشية في «العمق الفكري والحاضنة الشعبية»: ​المشاريع المتجذرة: هي التي تمتلك حواضن فكرية وتاريخية عريقة، وهو ما جعل التعامل مع تيارات معينة في السابق يتطلب جهداً في تفكيك أدواتها الناعمة. ​المشاريع الهامشية: هي مشاريع «هشة» بطبيعتها؛ لأنها تعتمد على «المال السياسي» و«الأدوات المحلية الهجينة» (المليشيات) والارتهان لأجندات خارج الإقليم. غياب الحاضنة الشعبية يجعل هذه المشاريع تسقط تلقائياً بمجرد استعادة الدولة الوطنية القوية لعافيتها. ​ثالثاً: التوازن الدولي وهندسة المصالح المشتركة ​تتجلى عبقرية الهندسة السيادية السعودية في قدرتها على عدم الاكتفاء باللعب على التناقضات الدولية، بل في «هندسة المصالح المشتركة» للأقطاب العالمية. إن بناء شراكات إستراتيجية مع الشرق في الاقتصاد وروسيا في ملفات الطاقة، مع الحفاظ على العمق التقني مع الغرب، قد حول استقرار الرياض إلى مصلحة دولية عليا. هذا التعدد القطبي يعمل كـ«مضاعف تصفير» (Zeroing Multiplier) يُحيّد الدعم الخارجي للمشاريع الهامشية، ويجعل من تحجيمها حتمية سياسية تفرضها موازين القوى العالمية الجديدة. ​رابعاً: الخلاصة السيادية ​إن من يوسّع خلافه مع محيطه العربي، مراهناً على تمزيق الصف، إنما يوقّع على عزلته السياسية وخروجه التدريجي من «مستقبل المنطقة». فالتجارب أثبتت أن الدول القوية والعريقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، هي القادرة وحدها على إعادة ضبط التوازن الإقليمي على أسس «الدولة لا المليشيا»، و«الاستقرار لا الفوضى». ​ستظل الرياض ثابتة بجذورها التي تضرب في عمق التاريخ، ممارسةً دورها القيادي برصانة دبلوماسية تجعل من «مخاصمة الشريف» نزالاً يحكمه المبدأ، ومن «خصومة اللئيم» درساً في السقوط الإستراتيجي.