في بودكاست «مسألة رأي»، أجريت مقابلة مع مارك أندريسن، الرأسمالي المغامر والشخصية البارزة في التيار اليميني التكنولوجي الناشئ. أجريت مقابلة مع ستيف بانون، الشعبوي المخضرم لحركة «ماجا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى). تضم كلتا المحادثتين مواد تكفي لعدة نشرات إخبارية، لكنهما مفيدتان بشكل خاص في توضيح نقطة كنت قد طرحتها في مقال سابق، وهي أن هناك وحدة ظاهرية في تحالف الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول القضايا الساخنة في هذه اللحظة، من معاداة الأيديولوجيا التقدمية «اليقظة أو الوعي» إلى سياسات الترحيل وإعادة تشكيل الدولة الإدارية، ولكن في العمق توجد توترات فلسفية عميقة.ومن بين هذه التوترات، قد يكون الصراع بين التكنولوجيا والشعبوية هو الأعمق، حيث يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من إدارة رئاسية واحدة. بالنسبة لأندريسن، فإن التحالف مع «الترامبية» واليمين يمثل فرصة لـ «وادي سيليكون» للتحرر من القيود الأيديولوجية التي فرضها التقدميون، والأهم من ذلك، من القيود التنظيمية التي سعت إدارة بايدن إلى فرضها على التقنيات المتقدمة بسرعة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. أما بالنسبة لبانون، فإن فكرة «وادي السيليكون» غير المُقيد تمثل أولاً شكلاً جديداً من العولمة الليبرالية الجديدة التي حاربها ترامب في حملته عام 2016، وثانياً طريقاً محتملاً نحو مستقبل بائس ما بعد إنساني، حيث تطمح النخب إلى حياة سايبورج (دمج بين الإنسان والآلة)، حيث يجعل الذكاء الآلي الإنسان العادي زائداً على الحاجة بشكل متزايد. يمكنك معرفة أي من هذه الرؤى تشعر بأنها أكثر رسوخاً في البيت الأبيض بقيادة ترامب حالياً، من خلال حقيقة أن أندريسن رفض دعوتي للدخول في معارك مع الفصائل اليمينية الأخرى، في حين دخل بانون هذه المواجهات وهو مستعد للهجوم على «أباطرة التكنولوجيا». في الوقت الحالي، يحقق الشعبويون انتصارات في قضايا مختلفة، ولكن ليس في أي شيء يتعلق بكبح جماح وادي السيليكون. قد تكون مراسم تنصيب ترامب قد عرضت أباطرة التكنولوجيا كجنرالات مهزومين في موكب روماني، لكن ترامب نفسه يبدو متحمساً للتعاون معهم جميعاً، ويدفع بمزيد من الرقائق - إذا جاز التعبير - في سباق الذكاء الاصطناعي، بغض النظر عن المخاطر ما بعد الإنسانية التي قد يحملها. كيف سيتغير هذا المشهد؟ يعتمد على عدة عوامل، ولكن الأهم هو مدى سرعة وتقدم الذكاء الاصطناعي. ومن دون تقديم إجابة قاطعة على هذا السؤال، من المهم للغاية أن يفهم القارئ العادي أن العديد من الأشخاص المهتمين بتطوير الذكاء الاصطناعي يتوقعون له تقدماً سريعاً وعظيماً، يصل إلى مستوى الذكاء الفائق، وإلى نوع من الاندماج بين الإنسان والآلة. قد تبدو تحذيرات بانون البائسة وكأنها جنون ارتيابي، لكنها تشير إلى إمكانيات قريبة مما يتوقعه العديد من العقول اللامعة في وادي السيليكون بثقة. قد يتضح أن هذه التوقعات خاطئة، وأشعر شخصياً أن هناك سوء فهم عميقاً حول الوعي في جوهر الكثير من أعمال الذكاء الاصطناعي. ولكن مجرد وجود هذه «التوقعات الجامحة» هو حقيقة بارزة في عصرنا، ومن المؤكد تقريباً أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل في إعادة تشكيل السنوات الأربع القادمة وما بعدها.في الوقت الحالي، هناك فرضيتان توجهان فهمي لوضع الإنسان. أولاً: العصر الرقمي وتقدمه يجعلان العديد من أساليب الحياة البشرية الطبيعية والأشكال الثقافية تبدو بالية، وهذا الإحساس بالتقادم سيزداد تفاقماً مع انتشار الذكاء الاصطناعي. هذا التقادم لا يظهر في المقام الأول في شكل اقتصادي بسيط، حيث تستولي الروبوتات على وظائف الجميع. ثانياً: العصر الرقمي وعصر الذكاء الاصطناعي مرتبطان أيضاً بأشكال الديناميكية الكبرى في الشؤون البشرية - الرغبة في الذهاب إلى المريخ، أو بناء طائرة أسرع من الصوت، أو اكتشاف علاج للسرطان. والمحاولات لإنشاء مناطق مغلقة تحمي أساليب الحياة القديمة من خطر التقادم لا تبدو ناجحة، سواء كان هذا العزل اشتراكياً أو شعبوياً، أو إنسانياً علمانياً أو كاثوليكياً، فإنه لا يؤدي إلا إلى الركود والانحدار، وإلى مهد فارغ ومقاطعات تتناقص سكاناً، وفي أفضل الأحوال إلى شكل مريح من اللامبالاة، وفي أسوئها إلى اليأس المطلق. إذن، ماذا يعني هذا لمستقبل البشرية؟ سأسرق، وليس للمرة الأولى، فكرة من ملحمة «الكثبان» لفرانك هربرت، حيث تتنبأ شخصياته المعقدة بمسار يسمى «الطريق الذهبي للبشرية - طريق محفوف بالمخاطر بين الانقراض والركود، ممر ضيق نحو مستقبل أفضل». هذا هو ما أشعر أننا نحاول اكتشافه كنوع بشري، وما أعتقد أن أميركا والأميركيين لديهم الفرصة الأكبر للعثور عليه، طريق عبر هذه اللحظة الاجتماعية - التكنولوجية الخطيرة، حيث يتم قبول العصر الرقمي بشكل ما ولكن يتم أيضاً ترويضه والسيطرة عليه وأنسنته، حيث يتم تكريم الدافع الديناميكي وليس رفضه، ولكن يتم توجيهه أيضاً نحو غايات أفضل مما يتخيله بعض دعاة ما بعد الإنسانية في «وادي السيليكون»، حيث تتم إعادة تشكيل الطرق القديمة للحياة البشرية في أشكال أكثر قدرة على الصمود ضد إغراءات العالم الافتراضي والمنافسة من الآلات. *محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»