×
محافظة المنطقة الشرقية

إيران ونظرية "انسجام الأفيال" النظام الإيراني أمام سيناريوهين الأول قبول إعادة التفاوض وهو الخيار الأنسب له والثاني إسقاط نظام الملالي وهو ما سيتجه إليه ترامب في حالة عدم قبول إيران السيناريو الأول.

صورة الخبر

هناك حكمة سياسية تقول “عندما تتصارع الأفيال لا تسأل عن العشب والأشجار الصغيرة”. وهي تلخّص ما يحدث في التفاعلات داخل النظام الدولي عندما تتصارع القوى الكبرى (الأفيال) في النظام الدولي حيث تتأثر الدول الصغيرة سلبا وربما تدمّر كما لو كانت أعشابا لينة أو مجرد أشجار صغيرة ضعيفة. وفي المقابل علينا أن نتساءل عمّا يحدث في حالة التفاعل عكسيا، أي إذا دخلت الأفيال (الدول الكبرى) في حالة وئام أو توافق وانسجام عاطفي. أو بمعنى أكثر وضوحا إذا قررت التعاون حول قضايا معينة تمثل صداعا لها. أو بالمقايضة فيما بينها، فيكون ملف معين مقابل ملف آخر، وهذا أمر موجود ومعتاد في علاقات الدول الكبرى. وكثيرا ما كان هذا يتم بشكل غير مباشر، بأن يغض الحليف الدولي أو نائبه الإقليمي النظر عن ملف ما أو يقدم تنازلات فيه، ويغض الحليف الآخر طرفه عن ملف معين أو يقدم تنازلات مكافئة. في الحالتين، سواءٌ كان التفاعل بين (الأفيال) ذا طابع صراعي أو ساده التفاهم والانسجام، النتيجة واحدة بالنسبة إلى القوى الصغرى والمتوسطة، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كامل على حليف وحيد كما هو الأمر مع أوكرانيا حاليا. وبما أن السياسة هي “فن الممكن”؛ فإن على القوى المتوسطة والصغرى الحرص على التوازن في علاقاتها مع الدول الكبرى. بل ربما عليها التزام الحذر السياسي وعدم الانسياق وراء أيّ طرف، حتى لا تتأثر تلك (الشجيرات) سلبا أو تدفع هي الثمن في أي من الوضعين الصراعي أو التعاوني بين الدول الكبرى، خاصة إذا تذكرنا قاعدة أساسية في العلاقات الدولية وهي “ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم.. هناك مصالح دائمة”. رفض إيران لأيّ مبادرات، سواء إقليمية أو دولية، لا يخدم مستقبل نظامها خاصة أن الوضع الداخلي في إيران مهيأ لفوضى يمكن أن تثار في الداخل مناسبة هذا الكلام، ما يتمّ طرحه حاليا حول مصير النظام الإيراني. بعدما بدأ الحديث عن وجود نية حقيقية للتقارب بين الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب وروسيا فلاديمير بوتين، وأن العديد من الملفات سوف تتم معالجتها بين الاثنين وخاصة تلك المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط. وبلا شك، أن ملف البرنامج النووي الإيراني، وهو أحد تلك الملفات، من أولويات دونالد ترامب. وإن لم يناقَش بالكثافة والاهتمام اللذين حظيت بهما قضية أوكرانيا أو حرب غزة. لذا فإن الحكمة السياسية بل والشجاعة تقتضي أن يُحسن النظام الإيراني تقدير الموقف الدولي في ما يخص تطور العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة حتى لا يتفاجأ بالتعاون بينهما على حسابه. وضع النظام الإيراني هذه المرة مختلف تماما، فبالنسبة إلى روسيا فالرئيس الأميركي ترامب هو الوحيد القادر على تغيير الوضع الإستراتيجي في أوكرانيا التي تمثل مأزقا صعبا لبوتين يريد التخلص منه. وبالتالي هو مستعد لتقديم “قرابين سياسية” للخروج من ذلك المأزق الأوكراني كما فعل من قبْلُ وقَبِلَ بسقوط النظام السوري بقيادة حليفه بشار الأسد. لذا فإن نصيحة بوتين التي قدمها للمرشد علي خامنئي بشأن الحوار مع دونالد ترامب، تشير إلى أن بوتين قد يتخلّى عن النظام الإيراني إذا تطلبت المصلحة الروسية ذلك. أما ترامب، فيدرك جيدا أن إيران تعتمد بشكل أساسي على عاملين اثنين في سياساتها الإقليمية بالشرق الأوسط. العامل الأول: وجود أذرع سياسية وحلفاء لها في المنطقة. وقد خسرت طهران هذا العامل بسقوط نظام بشار الأسد، وإنهاء نفوذ وقوة ميليشياتها في سوريا. ثم كسر شوكة “حزب الله” اللبناني. بينما جماعة الحوثي أو الميليشيات الشيعية في العراق ليستا بتلك القوة التي يمكن لطهران الاعتماد عليها. نصيحة بوتين التي قدمها للمرشد علي خامنئي بشأن الحوار مع دونالد ترامب، تشير إلى أن بوتين قد يتخلّى عن النظام الإيراني إذا تطلبت المصلحة الروسية ذلك العامل الثاني: وهو الأكثر فاعلية فهو مساندة روسيا بوتين الحليف العالمي الأساسي لإيران في المنطقة. والإيرانيون يدركون جيدا موقف روسيا الحساس في هذه اللحظة كما يدركون “لغة الصفقة” التي يجيدها دونالد ترامب. إذن النظام الإيراني أمام سيناريوهين: الأول قبول إعادة التفاوض على الملف النووي، وهو الخيار الأنسب له على اعتبار أن امتلاك القنبلة النووية حاليا مرفوض إسرائيليا وأميركيا، وبالتالي الاحتفاظ بما حققته من المعرفة النووية يكفي. فقلق النظام الإيراني من هذا السيناريو أن الولايات المتحدة لن تكتفي بالملف النووي وإنما سيشمل العديد من الملفات منها التدخل في الشؤون الداخلية لدول الإقليم وكذلك الميليشيات التي تدعمها إيران. أما السيناريو الثاني فهو العمل على إسقاط نظام الملالي، وهو ما سيتجه إليه ترامب في حالة عدم قبول إيران لدعوته إلى إعادة التفاوض. بينما ترامب يريد ترك بصمة قوية في فترة رئاسته الثانية والأخيرة. ولكن هذا السيناريو قد يخدم الولايات المتحدة كما يخدم إسرائيل، ويخلّص المنطقة والعالم من سياسات النظام الحالي التدخلية والمثيرة لعدم الاستقرار. إلا أنّ فيه من المحاذير ما يجب الاستعداد له والتعامل مع تداعياته، ومنها أن المتضرر الأول من زعزعة الاستقرار سيكون الشعب الإيراني. إن رفض إيران لأيّ مبادرات، سواء إقليمية أو دولية، لا يخدم مستقبل نظامها خاصة أن الوضع الداخلي في إيران مهيأ لفوضى يمكن أن تثار في الداخل، سواء في الوضع المعيشي الذي يعاني منه الشعب، أو بسبب الانقسامات السياسية داخل النظام نفسه. وبالتالي على طهران القيام بقراءة صحيحة وواعية لاحتمالات التفاعل بين واشنطن وموسكو.