×
محافظة الرياض

الثقافة.. القوة الناعمة التي تصنع المستقبل: النهضة الثقافية السعودية أنموذجًا

صورة الخبر

عندما نتحدث عن تغيير المجتمعات والنهوض بها، فإن الثقافة تتصدر المشهد بوصفها القوة الناعمة التي تصوغ ملامح الهوية الوطنية وتُشكل وجدان الشعوب. الثقافة ليست ترفًا فكريًا، بل هي أساس بناء الإنسان ورافعة للتنمية، فهي تحفز الإبداع وتُرسخ القيم وتمنح الأفراد القدرة على التفاعل الحضاري مع العالم. المجتمعات التي تستثمر في ثقافتها تبني جسورًا بين ماضيها ومستقبلها، وتضمن لنفسها مكانة مرموقة على الساحة العالمية. وقد لفتتني النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، إذ باتت تجربة تستحق التوقف عندها والتمعن في تفاصيلها. فمنذ إطلاق رؤية 2030 بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، اتخذت المملكة خطوات جريئة لإعادة تشكيل المشهد الثقافي الوطني، واضعة الثقافة في قلب مشروعها الطموح للتنمية الشاملة. ولم يكن هذا التحول مجرد تحديث للهيكل التنظيمي بإنشاء وزارة الثقافة في عام 2018، بل هو رؤية شاملة تسعى إلى إعادة تعريف الثقافة السعودية وتوسيع آفاقها لتصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة المواطن اليومية. وقد أُنشئت 11 هيئة ثقافية متخصصة لتولي مسؤولية قطاعات متعددة، تشمل الأدب والنشر والترجمة، والمسرح والفنون الأدائية، والموسيقى، والتراث، والفنون البصرية، وغيرها. هذا التنظيم الاستراتيجي لم يقتصر على الهيكلة، بل شمل إطلاق برامج ومبادرات تهدف إلى دعم المبدعين وتحفيزهم على الإنتاج الفني والفكري، وتقديم فرص استثنائية للشباب لعرض مواهبهم وتطويرها. ومن الملاحظ أن السعودية لم تكتفِ بتطوير الأنشطة الثقافية الحديثة فحسب، بل أولت التراث الثقافي اهتمامًا بالغًا عبر مشاريع توثيق التراث غير المادي وإحياء الفنون التقليدية، إلى جانب إدراج مواقع سعودية في قائمة التراث العالمي لليونسكو، مثل جدة التاريخية وواحة الأحساء والعلا والطريف بالدرعية، لترسيخ الهوية الثقافية والتأكيد على عمقها التاريخي. ولا يمكن لمن يتابع الشأن الثقافي في المملكة أن يغفل عن الزخم الكبير الذي أحدثته المواسم الثقافية، مثل موسم الرياض الذي بات منصة عالمية تعكس تنوع الفنون وأصالة الثقافة السعودية، إلى جانب الفعاليات الكبرى التي تحتضنها المملكة مثل معرض الرياض الدولي للكتاب ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي وبينالي الدرعية للفن المعاصر. ومما يلفت الانتباه بشكل خاص هو دور المرأة السعودية في هذه النهضة الثقافية، حيث ظهرت المرأة في مجالات الإبداع المختلفة، كاتبة ومخرجة وعازفة ومهندسة معمارية وقائدة في المؤسسات الثقافية، مما يعكس تحولًا نوعيًا في النظرة إلى دور المرأة في بناء المجتمع والإسهام في مسيرة التنمية. وتماشياً مع هذا التحول الشامل، أطلقت المملكة مبادرات متعددة لدعم اللغة العربية، من بينها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الذي يسهم في تعزيز حضور اللغة في الداخل والخارج، إضافة إلى مبادرات إثراء المحتوى العربي الرقمي. ولم يكن الاهتمام بالثقافة مجرد رؤية ثقافية أو ترفيهية، بل أصبح قطاعًا استثماريًا واعدًا من خلال تشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية وتأسيس صندوق التنمية الثقافي لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن برامج الحاضنات الثقافية التي توفر فرص عمل جديدة للشباب وتدعم رواد الأعمال في مجالات النشر والإنتاج السينمائي والفنون البصرية والتصميم والألعاب الرقمية. إن النهضة الثقافية في المملكة العربية السعودية ليست مجرد مشروع آني، بل هي رؤية استراتيجية ترتكز على إحداث تحولات عميقة ومستدامة تصوغ ملامح المستقبل وتدعم بناء مجتمع حيوي تتناغم فيه الأصالة مع الحداثة. هذه الرؤية الطموحة تجعل من الثقافة جسراً يربط بين الماضي العريق والمستقبل الواعد، في إطار مشهد ثقافي نابض بالحياة يعزز من مكانة المملكة كمركز ثقافي عالمي. وبينما تتسارع خطوات النهضة الثقافية السعودية، تثبت المملكة قدرتها على بناء تجربة متكاملة تلهم العالم برؤية جريئة وأفق واسع. إنها حكاية إنجاز تُروى بفخر، تُجسّد طموحًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، حيث تصنع الثقافة قوة ناعمة ترتقي بالمجتمع وتُثري الإنسانية وتكتب فصلاً جديدًا من الحضور السعودي المؤثر في الساحة العالمية.