×
محافظة المنطقة الشرقية

هل أصبحت أميركا محاطة بالأعداء؟

صورة الخبر

قبل سنوات عديدة، سألتُ صديقاً تم تعيينه مسؤولاً كبيراً في السياسة الخارجية عمّا تعلّمه في الحكومة، ولم يكن يعرفه من قبل. فأجاب: «كنت أعتقد أن وضع السياسات يعتمد بنسبة 75% على العلاقات. الآن أدرك أنه يعتمد بنسبة 95% على العلاقات». من الصعب جداً إنجاز أمور كبيرة بمفردك. لذلك، يعتمد القادة والدول الأكفاء على العلاقات المبنية على القيم المشتركة، والتاريخ المشترك، والثقة المتبادلة. إنهم يبنون تحالفات لمواجهة التحديات الكبرى في العصر، وأهمها: هل سيكون القرن 21 قرناً صينياً أم قرناً أميركياً آخر؟ في هذه المنافسة، تمتلك الصين العديد من المزايا، ولكن حتى وقت قريب، كان لأميركا ميزة حاسمة-وهي أن لديها أصدقاء أكثر حول العالم. ولكن، للأسف، خلال الشهر ونصف الشهر الماضيين، حطّمت أميركا الكثير من تلك العلاقات وحولتها إلى أشلاء. خلال الأسابيع القليلة الماضية، انتقل الأوروبيون من الصدمة إلى الحيرة. كانت هذه الفترة بالنسبة لهم مثلما كان يوم 11 سبتمبر بالنسبة لنا-إزالة الأوهام وكشف التهديد الوجودي. أدرك الأوروبيون أن أميركا، التي اعتبروها صديقهتم، هي في الواقع قوة عظمى غير صديقة. هذه ليست مجرد مشكلة ترامب، بل إن سمعة أميركا بأكملها قد تضررت. فماذا سيحدث إذن؟ ثمة مخاوف من نهاية حلف «الناتو». أمضى جو بايدن أربع سنوات في الدفاع عن النظام الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. نشأ هذا النظام من تجربة تاريخية محددة: فالانعزالية بعد الحرب العالمية الأولى أدّت إلى فظائع الحرب العالمية الثانية، بينما أدى التوجه الدولي بعد الحرب العالمية الثانية إلى 80 عاماً من السلام بين القوى العظمى، لكن عندما تروي هذا السرد للأجيال الشابة، ستجد أن الكثيرين ينظرون إليك كما لو كنت تتحدث عن القرن 14. لقد كان النظام العالمي بعد الحرب إنجازاً تاريخياً، لكنه كان نتاج عصره، ولن نعود إليه. إن محاولة إحياء شبح «دين أتشيسون» لن تجدي نفعاً، علينا التفكير في بنية عالمية جديدة. هل نشهد نهاية الغرب (مؤقتاً)؟ ما نسميه «الغرب» ليس مجرد كيان جغرافي، بل هو نقاش مستمر على مدى قرون-من سقراط في بحثه عن الحقيقة، إلى رامبرانت في تجسيده للرحمة، إلى جون لوك في تطويره للفكر الليبرالي التنويري، إلى فرانسيس بيكون في ريادته للمنهج العلمي. هذا هو تراثنا. لطالما اعتبرت أميركا نفسها تتويجاً للمشروع الغربي العظيم. تم تجسيد فكرة الغرب في التحالفات والتبادلات بين أوروبا وأميركا الشمالية. لكن مفهوم «الغرب» لا يبدو أنه موجود في ذهن ترامب. إنه يفصل أميركا عن جذورها الفكرية والروحية. لقد أكمل المشروع الذي بدأه جيسي جاكسون في عام 1987، عندما هتف مع نشطاء تقدميين في جامعة ستانفورد: «مرحباً، مرحباً، يجب أن ترحل الحضارة الغربية!» وهل الصراع الحضاري الجديد هو بين الصلابة واللين؟ لا تُفرط في التفكير في هذا الأمر. ترامب لا يلعب لعبة الشطرنج رباعية الأبعاد، ويحاول إجبار روسيا على الانسحاب من تحالفها مع الصين. السياسة الخارجية الأميركية الآن مُوجّهة نحو أي شيء يُثير حماس ترامب. لديه شغف مستمر «بالصلابة الذكورية». في عقلية «ماجا» (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)، يُنظر إلى فلاديمير بوتين على أنه «صلب»، بينما تُعتبر أوروبا الغربية «لينة». يُنظر إلى إيلون ماسك على أنه «صلب»، بينما تُعتبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية «لينة». شركة المصارعة العالمية الترفيهية (دبليو دبليو إي) WWE صلبة، والجامعات لينة. صراعات الهيمنة صلبة، والتحالفات لينة. والسؤال إما أن تنتعش أوروبا أو تصبح متحفاً؟ من الممكن أن تصبح أوروبا وجهة سياحية للعالم بسبب انخفاض معدلات الخصوبة، وضعف الابتكار، وبطء النمو الاقتصادي. لكن الأوروبيين يدركون أن هذه لحظتهم للانفصال عن الاعتماد الأمني على أميركا واستعادة قوتهم. تزيد ألمانيا من قدرتها على الاقتراض لتتمكن من صنع الأسلحة. هز رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي القارة بزعمه أن تجزئة السوق تقتل الابتكار في مجال التكنولوجيا. يعتقد العديد من المحافظين أن أوروبا علمانية جداً ومنحلة للغاية بحيث لا يمكن أن تتعافى. ربما. ولكن ألمانيا دولة جادة. وفرنسا لديها جهاز حكومي لا مثيل له. والتاريخ أثبت أن البريطانيين يمكن الوثوق بهم عندما تصبح الأوقات صعبة. عصر جديد من انتشار الأسلحة النووية. مع انسحاب أميركا من دورها كضامن أمني، ستستنتج دول من بولندا إلى اليابان أنها بحاجة إلى أسلحة نووية. ما الخطأ الذي قد يحدث؟ ستملأ الصين الفراغ. بينما تفرط أميركا في أصدقائها، ستسعى الصين إلى كسبهم. فقد وصف الممثل الصيني الخاص للشؤون الأوروبية معاملة إدارة ترامب لأوروبا بأنها «مروعة». وقال: «أعتقد أن على الأصدقاء الأوروبيين التفكير في هذا الأمر، ومقارنة سياسات إدارة ترامب بسياسات الحكومة الصينية. عندها سيرون أن الدبلوماسية الصينية تركز على السلام والصداقة والنوايا الحسنة والتعاون الذي يحقق الربح للطرفين». لسنوات عدة، أظهر «مسح القيم العالمي» أن أوروبا الغربية والمناطق الليبرالية في أميركا تنجرف نحو ثقافة هي «فردية ما بعد الحداثة»، وهي ثقافة تبتعد بشكل متزايد عن الثقافات التقليدية في بقية العالم. كان من المحتم أن يؤدي ذلك في النهاية إلى خلافات سياسية. أحد أسباب إعجاب المحافظين في حركة «ماجا» ببوتين هو أنهم يرونه حليفاً ضد عدوهم الحقيقي-برامج الدراسات العرقية في جامعة كولومبيا. التاريخ لم ينتهِ بعد. وكما يشير المؤرخ روبرت كاجان، فإن أميركا تتأرجح بين فترات الانعزالية والتدخل، وبين الفردية والجماعية، وبين التشاؤم والتفاؤل غير العقلاني. سياسات إدارة ترامب سيترتب عليها رد فعل عكسي، ما سيوفر فرصة جديدة للنهضة. وعندما يحدث ذلك، سيكون الناس مستعدين لسماع الحقيقة، وهي أنه عندما تحوّل أميركا إلى آلة للضغط، ستحقق بعض المكاسب قصيرة الأجل بينما تنحني القوى الأضعف لنفوذها، ولكنك في النهاية ستدمر العلاقات،محلياً ودولياً،التي هي في الواقع مصدر قوة أميركا على المدى الطويل. *كاتب أميركي كندي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»