×
محافظة المنطقة الشرقية

التثاقف تقريب اختلافات المحلية والعالمية - د. سفران بن سفر المقاطي

صورة الخبر

في عالم يشهد تحولات سريعة وتداخلًا متزايدًا بين الثقافات، ظهرت منهجيات تدل على طبيعة العلاقات الثقافية بين الشعوب والمجتمعات، ولم تقتصر على ثقافة غالبة وأخرى منضوية تحتها، بل تعددت العلاقات ومصطلحاتها، وتنوعت باختلاف المفاهيم، والعادات، والتطور العلمي، والحضاري. من هنا برز التثاقف على أنه أداة أساسية لتقريب اختلافات المواقف وتعزيز التفاهم بين الشعوب والمجتمعات؛ لاسيما مع تزايد التنقل البشري والتواصل الرقمي، وفرص تلاقي الأفكار والقيم والعادات من مختلف بقاع الأرض، مما يخلق فرصًا جديدة للتعاون والتعايش، وفي الوقت نفسه فرض هذا التلاقي وتلك الفرص تحديات على الهوية الثقافية والمجتمعية. ونقصد بالتثاقف عملية التبادل الثقافي عندما تتفاعل ثقافتان أو أكثر، مما يؤدي إلى اكتساب أفراد كل ثقافة عناصر من الأخرى، ويبدأ بمعرفة كل ثقافة بالثقافة الأخرى، والاستفادة منها. هذا ليس مجرد تأثير ثقافة قوية على أخرى أقل قوة، بل هو حوار متبادل يمكن أن يؤدي إلى تغيير في كلتا الثقافتين. وتكمن أهمية التثاقف في قدرته على بناء جسور التواصل بين المجتمعات المختلفة، وتقليل حدة الصراعات الناجمة عن سوء الفهم أو الخوف من الآخر. إذ يتيح التثاقف للأفراد فهم وتقدير القيم والعادات المختلفة، مما يعزز التعايش السلمي والانسجام الاجتماعي. وإذا تبين أن التثاقف تفاعل ثقافي بين ثقافتين أو أكثر ربما يؤدي إلى تغييرات في كل منها ويتضمن تبادلًا متبادلًا للعناصر الثقافية ويعزز التفاهم والانسجام بين الثقافات المختلفة؛ فإنه وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين التثاقف والتلاقح الثقافي أو الثقافة أو التأثير الثقافي، إلا أن هناك اختلافات جوهرية بين تلك المصطلحات التي تنتمي إلى جذر واحد، إذ إن التلاقح الثقافي يشير إلى انتقال الأفكار والعادات والعناصر الثقافية من ثقافة إلى أخرى دون التفاعل المباشر أو بالضرورة التبادل المتبادل. ويمكن أن يحدث التلاقح الثقافي عبر وسائل مثل التجارة أو الإعلام دون وجود تفاعل مجتمعي كبير. أما الثقافة فتشير إلى مجموعة القيم والعادات والممارسات التي تميز مجتمعًا معينًا، بما في ذلك اللغة، والدين، والمهن والتقاليد، وتتطور الثقافة زمانيا ومكانيا بشكل مستمر، ولا تتوقف عن النمو أو التغيير. أما التأثير الثقافي فيراد به تأثير ثقافة قوية على ثقافة أخرى أضعف، مما يؤدي إلى تغييرات قد تكون آنية أو تدريجية في الثقافة المتأثرة، وقد يؤدي هذا التأثير إلى الهيمنة أو التبعية الثقافية، ولا يلزم فيه التبادل المتبادل للعناصر الثقافية؛ إذ غالبا أن الثقافة الأدنى هي التي تتأثر بالثقافة الأعلى لا العكس. يتضح من ذلك أن الثقافة هي أساس تلك العمليات؛ لكن التفاعل والتأثير يأتي من خلال المصطلحات الثلاثة: التثاقف، والتلاقح الثقافي، والتأثير الثقافي. ومن هنا يتضح مزية التثاقف الذي يتطلب تفاعلًا متبادلًا، ويهدف إلى بناء جسور التفاهم والتعاون، فهو في غالبه إيجابي. في حين أن التأثير الثقافي قد يؤدي إلى توازن غير متساوٍ مما قد يسبب توترات اجتماعية وثقافية. ومع ذلك، وعلى الرغم من الفوائد العديدة للتثاقف، إلا أنه لا يخلو من التحديات. فقد يشعر بعض الأفراد أو المجتمعات بالقلق من فقدان هويتهم الثقافية الأصلية أو تلاشيها أمام تأثير الثقافات الأخرى. وقد يؤدي هذا القلق إلى مقاومة التغيير أو حتى التوترات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يواجه التثاقف عقبات تتعلق بالتمييز أو العنصرية، حيث قد يُنظر إلى الثقافة الوافدة بعين الشك أو الرفض. لذلك تستدعي هذه التحديات جهودًا واعية لتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل، والنظر إلى أن الهوية الثقافية لا تمس، لكنها في الوقت نفسه كائن حي قابل للنمو والتطور، فالجمود لا يتناسب مع الثقافة ومقتضياتها. ويؤدي التعليم دورًا محوريًا في تعزيز ثقافة التثاقف من خلال مناهج تعليمية تشمل دراسة الثقافات المختلفة وتعزز التفكير النقدي والانفتاح، ويمكن للمدارس والجامعات أن تسهم في تنشئة جيل متفهم ومتقبل للتنوع. كما تشجع البرامج التعليمية التي تتضمن تبادلًا ثقافيًا أو دراسيًا الطلاب على تجربة الحياة في بيئات مختلفة، مما يوسع آفاقهم ويعزز قدراتهم على التكيف والتفاهم. ولا يخفى أن برامج ابتعاث السعوديين إلى الدول المتقدمة في العالم أسهمت في إبراز سمعة السعودية عالميا، والروح الطيبة لشعبها المعطاء المفعم بحب الخير للجميع. ومثلما تلقى أبناؤنا وبناتنا العلوم من تلك الدول فقد أسهموا أيضا في إبراز ثقافة المملكة وكرم الضيافة، والجدية في العمل والدراسة؛ مما نلمسه في كثير من المواقف البيضاء التي انتشرت في وسائل الإعلام التي أشادت بما حققه أولئك من إنجازات، وما قدموه من مواقف مساندة لمن احتاجها في مواقف طارئة. أيضا، لا يمكن إغفال دور وسائل الاتصال والإعلام في تعزيز التثاقف وطنيا داخل البلد الواحد او عالميا بين الدول والأمم، وذلك من خلال تقديم محتوى يعكس التنوع الثقافي ويسلط الضوء على التجارب الإنسانية المشتركة، ويمكن للإعلام أن يقلل من الصور النمطية ويعزز التفاهم بين المجتمعات. كما تتيح المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فرصًا غير مسبوقة للتواصل المباشر بين الأفراد من خلفيات متنوعة، مما يسهم في نشر ثقافة التثاقف على نطاق واسع. وتعد الثقافة والفنون من أقوى الأدوات في تقريب اختلافات المواقف، فالموسيقى، والأدب، والسينما، والفنون البصرية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وتنقل مشاعر وتجارب إنسانية مشتركة. وكذلك المهرجانات الثقافية الدولية والمعارض الفنية متعددة الجنسيات توفر منصات للاحتفاء بالتنوع وتعزيز الحوار الثقافي. ولا يخفى أن التثاقف يمثل مفهومًا تاريخيا واجتماعيًا لأنه يهتم بدراسة تأثير التفاعل الثقافي على الأفراد والمجتمعات، ويتداخل التثاقف أيضًا مع التاريخ، حيث يمكن ملاحظة تأثيراته. أولاً: التثاقف في سياقات تاريخية متعددة.. فعلى سبيل المثال: 1- الحضارات القديمة: من خلال التبادل الثقافي بين الحضارات مثل التفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الأوروبية، حيث تبادل العلماء والأفكار بين الثقافتين مما أدى إلى تقدم علمي وفكري عالمي ما زالت البشرية تقطف ثماره حتى اليوم. وكما صرح وزير الدولة السعودي عادل الجبير في محاضرته الشاملة بالعاصمة الألمانية برلين عن الإسلام الدبن والحضارة بتاريخ 13 يونيو 2017م بقوله "لو لم تكن حضارة إسلامية لما كان هناك من يؤرخ لثقافة أرسطو وسقراط للوقت الحاضر، ولو لم يكن هناك حضارة عربية لن يرتبط الشرق بالغرب كما حدث". 2- العولمة: تسارع التثاقف في العصر الحديث مع التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال السريعة، فأصبح يحدث بوتيرة أسرع وتنوع أكبر في عناصره. ثانياً: التثاقف في السياق الاجتماعي: 1- التغير الاجتماعي: يمكن أن يؤدي التثاقف إلى تحولات في القيم والممارسات الاجتماعية، مما يؤثر على العلاقات الأسرية والمهنية والاجتماعية. 2- التعددية الثقافية: تعزيز التعددية في المجتمعات يسهم التثاقف في بناء مجتمعات متعددة الثقافات تعزز من التنوع والابتكار الاجتماعي. 2- تأثير التثاقف على الاقتصاد: يسهم التثاقف في تعزيز التنوع في القوى العاملة، مما يزيد من الإبداع والإنتاجية الاقتصادية. ولإبراز فعالية التثاقف في تقريب اختلافات المواقف وتعزيز التفاهم بين الثقافات، نستعرض عدة أمثلة من دول مختلفة نجحت في تطبيق سياسات التثاقف وتحقيق نتائج إيجابية، وللتوضيح أكثر يمكن ذكر العديد من الأمثلة حول العالم حيث أدى التثاقف إلى نتائج إيجابية فعلى سبيل المثال لا الحصر: عالمياً: تعتبر الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة بمثابة منصّات عالمية للثاقف والحوار بين الدول والشعوب من مختلف الثقافات والتوجهات، بهدف إيجاد حلول سلمية للنزاعات. وتُعدّ المؤسسات البحثية والجامعات في جميع أنحاء العالم مناراتٍ للنقد البنّاء والتحليل العلميّ للظواهر المختلفة. أما على مستوى الدول فمثلاً: سنغافورة: دولة متعددة الثقافات نجحت في دمج مجتمعات مختلفة، بما في ذلك الصينيين والمالاويين والهنود، من خلال سياسات تعليمية ولغوية تعزز التعددية. كندا: تعتمد سياسة "الموزاييك الثقافي" التي تشجع المهاجرين على الاحتفاظ بثقافاتهم الأصلية مع الاندماج في المجتمع الكندي، مما يعزز التنوع والانسجام. المغرب: يمثل نموذجًا للتعايش بين الثقافات العربية والأمازيغية والإفريقية، مع تاريخ من التسامح الديني والثقافي. المملكة العربية السعودية: تمثل نموذجا مثاليا للتثاقف والتعايش السلمي بين كافة مكونات وأطياف المجتمع السعودي فعلى المستوى الوطني، من خلال مناشط وفعاليات مركز الملك عبدالعزيز التواصل الحصاري الدورية التي تعقد في جميع مناطق المملكة بصفة منتظمة. أما على المستوى العالمي تُعدّ "مبادرة حوار الحضارات" التي أطلقتها المملكة مثالاً رائعاً على أهمية الحوار بين الثقافات من خلال مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري كنموذج سعودي للتثاقف الدولي والحضاري. ومبادرة "حوار الأديان" من خلال مركز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات مثالاً رائداً على جهود المملكة في نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر. ومع العولمة الاتصالية والثقافية، أصبح العالم قرية صغيرة، وتزايدت فرص التثاقف بشكل سهل وكبير. ولكن هذا التطور يحمل تحديات أيضًا، حيث يمكن أن يؤدي إلى هيمنة ثقافات معينة وتهميش ثقافات أخرى. من هنا تأتي الحاجة إلى الوعي الثقافي التثاقفي والتأكيد على أهمية التنوع والحفاظ على الهويات الثقافية المميزة ضمن إطار التفاعل والتبادل من خلال تعزيز دور الأفراد والمجتمعات، حتى لا يقتصر تعزيز ثقافة التثاقف على المؤسسات الحكومية أو التعليمية فقط، بل يمتد إلى الأفراد والمجتمعات المحلية من خلال الانفتاح على الجيران والزملاء من خلفيات مختلفة، والمشاركة في أنشطة مجتمعية متنوعة، يمكن لكل فرد أن يسهم في بناء مجتمع متفاهم ومترابط. وفي الختام، تُعَدُّ ثقافة التثاقف مفتاحًا لبناء عالم أكثر تسامحًا وتعاونًا، حيث تؤدي دورًا حيويًا في تقريب اختلافات المواقف وتعزيز التفاهم بين الثقافات المختلفة. من خلال الاعتراف بالتنوع كقيمة إيجابية والتفاعل البناء بين الثقافات، يمكن للمجتمعات التغلب على التحديات المعاصرة بكافة عناصرها وتعقيداتها الفكرية والثقافية. الاستثمار في التثاقف ليس رفاهية، بل ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة والتقدم المشترك والسلام العالمي. وهو في نفس الوقت مفتاحًا لتقريب اختلافات المواقف وبناء عالم أكثر تسامحًا وتعاونًا، ومن خلال الاعتراف بالتنوع كقيمة إيجابية والتفاعل البناء بين الثقافات، يمكننا التغلب على التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة بكافة عناصرها وتعقيداتها الفكرية والثقافية، مما يسهم في تعزيز ثقافة التثاقف والسلام الاجتماعي، وفتح الأبواب أمام فرص جديدة في مجالات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا؛ فالاستثمار في التثاقف ليس رفاهية، بل ضرورة لتحقيق تنمية مستدامة وتقدم مشترك وسلام عالمي. لهذا على الأفراد والمؤسسات والدول على حد سواء تحمل مسؤولياتهم في تعزيز هذه الثقافة، من خلال التعليم، والإعلام، والفنون، والتواصل اليومي. فالتثاقف يبدأ بخطوة بسيطة نحو الآخر، وبإرادة صادقة لبناء جسور التفاهم والاحترام.