×
محافظة حائل

أنا أو الطوفان.. وجه أردوغان الحقيقي الأمر انفضح اليوم وها هو أردوغان يهرب إلى الأمام إلى مرحلة "أنا أو الطوفان" فهل سينجح عن طريق التعسف في استعمال القانون ويدق آخر مسمار في نعش الجمهورية في تركيا.

صورة الخبر

منذ البدء، عمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إرساء حكم شمولي بوجه ديمقراطي. لقد عدل الدستور بغية الاستحواذ على كل السلطات في تركيا. وليس هذا فحسب بل عصفت سوابقه غير الديمقراطية بفكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مبكرا. وقد تمكن إلى حد الآن من العبث بالحلم الديمقراطي الذي كان يراود كل شعوب تركيا. حاول بكل الطرق إرضاء جنون عظمته ضاربا بعرض الحائط بأسس الجمهورية الكمالية وتطلعات من لا يشاركونه أوهامه الإسلامية. وهذا ليس غريبا بالنسبة إلى رجل تربى ورضع من الأصولية الإسلامية حتى الثمالة. لم تكن خطاباته الأولى المتغنية بقيم الجمهورية والاختلاف وحرية الضمير والتفكير وغيرها سوى ذر رماد في أعين الأتراك والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، وقد ذهب في عدم صدقه حد القول بضرورة احترام حقوق المثليين. لقد علّمته تجربة السجن وإقالته من منصبه كرئيس لبلدية إسطنبول في نهاية القرن الماضي أنه لن يصل أبدا إلى الحكم ما لم يبتعد ولو لفترة معلومة عن السياسة الإسلامية التقليدية الرافضة للعلمانية والرافضة لكل تحالف مع الغرب المنتهجة منذ الستينات من القرن الماضي تحت زعامة أبيه الروحي نجم الدين أربكان. ◄ ليس سرا أن عبارة "بقايا السيف" تشير مباشرة إلى الناجين من المجازر التي ارتكبها أجداد أردوغان، في حق المسيحيين والعلويين، وبشكل خاص الأرمن واليونانيين والآشوريين، في العهد العثماني ثم التركي خرج من السجن مطعما بإستراتيجية جديدة للاستيلاء على الحكم، تجمع بين المحافظة والإصلاح يحملها حزب جديد ببرنامج ليبرالي نال إعجاب الأوروبيين المخدوعين، وقد وضع أصلا لهذا الغرض، أي بغية مراوغة الأوروبيين والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وككل الإسلاميين، لم يكن الرجل ديمقراطيا بالمعنى المعهود للكلمة بل اعتبر الديمقراطية وسيلة للوصول إلى الحكم فقط. وحينما أوصلته إلى السلطة بدأ يكرّس شيئا فشيئا نظام حكم هو فيه أساس ومركز السلطة الأوحد، وهو ما فعله وسيفعله الإسلاميون دائما.. في غفلة من العالم وفي ظروف إقليمية مضطربة حاملة لكل الأخطار، استغل الفرصة لدسترة طموحاته الشمولية عن طريق استفتاء لا علاقة له البتة بمصلحة المواطن التركي. وقد كانت تبعات التصويت بأغلبية لإصلاحاته الدستورية هي التنازل له بأن يحكم عن طريق القرار. أن يتولى كل ما يتعلق بميزانية الدولة، إلغاء رئاسة الوزراء، إعلان حالة الطوارئ، حل البرلمان، تعيين الإطارات العليا وحتى القضاة، وغيرها من التعديلات التي تصب كلها في صالحه. كانت أجندته واضحة منذ البداية إقامة دولة إسلامية على المدى الطويل تحت شعارات ديمقراطية تغذيها وطنية قريبة جدا من الشعبوية تصور اليمين المتطرف. وفي مسألة مذبحة الأرمن، لا يعرف على أي رِجل يرقص. فمن جهة ينكر المذبحة التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية عام 1915 في حق الأرمن، ومن جهة أخرى يقر بالجريمة حينما يتهم أحفاد الناجين من تلك المجزرة بالإرهاب، مستعملا عبارة أقل ما يقال عنها أنها تحرّض على الكراهية. ◄ خطابات أردوغان الأولى المتغنية بقيم الجمهورية والاختلاف وحرية الضمير والتفكير وغيرها لم تكن سوى ذر رماد في أعين الأتراك والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص هي تلك العبارة التركية المشؤومة “كيليتش أرتي” التي تعني “بقايا السيف”، وذلك في مداخلة 4 مايو 2020، في إطار ندوة حول وباء كورونا، حيث قال “لن نسمح للإرهابيين من الناجين من السيف في بلدنا بمحاولة تنفيذ أعمالهم الإرهابية. لقد انخفض عددهم،” ويضيف “ولكنهم ما زالوا موجودين.” ألا يعتبر ذلك تهديدًا صريحا للمسيحيين الذين يتناقص عددهم باستمرار في بلدهم تركيا؟ إذا كانت السلطات التركية لا تعترف بارتكابها أيّ مذبحة، فما هو مصدر عبارة “بقايا السيف” المتداولة في الخطاب السياسي والإعلامي والشعبي التركي؟ ومن المقصود بالعبارة؟ ليس سرا أن عبارة “بقايا السيف” تشير مباشرة إلى الناجين من المجازر التي ارتكبها أجداد أردوغان، في حق المسيحيين والعلويين، وبشكل خاص الأرمن واليونانيين والآشوريين، في العهد العثماني ثم التركي، كما يبين كتاب المؤرخين بيني موريس ودور زيفي “مجزرة الثلاثين عاما: تدمير تركيا لأقليتها المسيحية، 1894 – 1924”. ونقرأ عنهم أشياء صادمة في كتاب الفرنسيين، لورانس ريتر وماكس سيفاسليان، المعنون “بقايا السيف: الأرمن المخفيون والمؤسلمون في تركيا”، الصادر عام 2012. وعلاوة على أنها عبارة مهينة للضحايا، فإن “بقايا السيف” تحرّض على الكراهية وتعرض للخطر حياة الأحفاد المسيحيين الذين يعانون باستمرار من الضغوط وحتى من الاعتداءات الجسدية أحيانا. واستعمال أردوغان العبارة هو للمزيد من الضغط والتخويف، بل وتلميحا لإمكانية عودة الإبادة الجماعية للأقليات الدينية والعرقية التي تناضل من أجل الكرامة والحرية. ولكن انفضح الأمر اليوم وها هو يهرب إلى الأمام، إلى مرحلة “أنا أو الطوفان”. فهل سينجح عن طريق التعسف في استعمال القانون ويدق آخر مسمار في نعش الجمهورية في تركيا، أم سيخلق معارضات جديدة قد تتسلّح وتضع البلد على كف عفريت؟ وفي الحقيقة هو اليوم في وضع لا يحسد عليه، فإن تراجع أمام ضغط الشارع التركي فسيجعله ذلك ضعيفا في نظر قطاع من الناخبين وإن لم يتراجع سيبدو دكتاتوريا في نظر قطاع آخر منهم. وفي كلتا الحالتين لن يخرج سالما من هذا المأزق الذي وضع فيه نفسه. انشرWhatsAppTwitterFacebook