في ظل تزايد أعداد الشباب المنتظرين للوظيفة الحكومية، والذين تجاوزوا 22 ألف شاب وشابة من مختلف التخصصات والدرجات العلمية، لاحظت - كما لاحظ غيري من المهتمين بالشأن العام - خلال السنوات الأخيرة ظاهرة توريث بعض المناصب والوظائف لأبناء وبنات وأقرباء المسؤولين والعاملين في بعض الوزارات والجهات والمؤسسات والشركات والأجهزة الحكومية من دون وجود حسيب أو رقيب من الجهات الرقابية بالدولة، وكأن هذه الجهات أصبحت ملكية خاصة لهؤلاء المسؤولين يتوجب على المتقدِّم للتوظيف فيها إفساح المجال لأبناء القياديين. كذلك يتطلب الأمر التودُّد للقياديين في هذه الجهات، والاستجداء والتوسل في بعض الأحيان للتعيين في وظيفة هو أولى وأحق بها من أبناء وأقرباء هؤلاء القياديين والمسؤولين في هذه الوزارات والمؤسسات والشركات والأجهزة الحكومية! نعم يجب على المواطن العادي والبسيط أن يرضى، رغم أنفه، بأن يفسح المجال لأبناء وبنات وأقرباء المسؤولين في هذه الجهات الحكومية للفوز بالتعيين في الوظائف الشاغرة، لأن لهم الأولوية، ولهم الحظوة والتقدير والاحترام على سواهم! إنها ظاهرة جديدة بدأنا نشعر بها، وتتم ممارستها بكل الوسائل والطُّرق المكشوفة، من دون حياء أو استحياء من قِبل شلة ضربت بالمصلحة العامة عرض الحائط، وقدَّمت مصالحها الخاصة على مصالح الوطن والمواطنين! هل ذلك يرجع إلى فقدان الثقة بالبناء المؤسسي، وبمبادئ العدل والمساواة التي جاء بها دستور الدولة، وقوانينها، ونادى بها الآباء والأجداد؟! كُنا نعتقد في السابق أن الأمر كان مقصوراً على بعض المؤسسات والجهات المتخصصة، مثل: الفن، والطب، والوظائف العسكرية والدبلوماسية، لكن الأمر انتشر، وشمل معظم الوظائف المدنية والعسكرية والفنية والتعليمية والأكاديمية والاستثمارية والمالية والحرفية! كُنا نظن أن التعيين في بعض الوظائف ببعض الوزارات والمؤسسات والبنوك يتم بسبب رغبات المواطنين الخاصة للعمل في جهات محدَّدة، مثل: وزارة التربية (التدريس)، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (وظائف الإمامة والخطابة)، أو بسبب الرغبات والتوجهات الدينية، مثل: التعيين في البنوك الإسلامية (غير الربوية)، أو غير الإسلامية، لكن بعد التدقيق والتمحيص في الوضع الإداري والواقع الوظيفي، اتضح أن الأمر أبعد من ذلك بكثير، حيث إن الأمر يشمل معظم القطاعات والمهن الاقتصادية والمالية والقانونية والتشريعية والأكاديمية والتعليمية والاستثمارية والتكنولوجية والنفطية والصناعية والمالية والمحاسبية، وحتى الرياضية والموسيقية! وأن التعيين في معظم الوظائف له علاقة بقيادات ومسؤولي هذه الوزارات والأجهزة الحكومية، سواءً كان ذلك مُتعلقاً بالعائلة، أو بالتوجه الديني أو الطائفي أو القبلي أو الحزبي، أو حتى المناطقي! وأن قيادات ومسؤولي هذه الوزارات والمؤسسات والشركات أو الجهات الحكومية يورثون أبناءهم وأقرباءهم في هذه الجهات! ربما يشكِّك البعض في دقة هذه المعلومات، ويرى أنها من نسج الخيال، في حين يرى البعض الآخر أنها نتيجة طبيعية ومتوقعة، حيث إن الكويت دولة صغيرة، وعدد سكانها قليل، والعائلات والأسر الكويتية مترابطة مع بعضها البعض، سواء بعلاقة نسب أو سكن! وهذا القول والتبرير فيه الشيء الكثير من الصحة! لكن الأمر وصل إلى أن يسلِّم ويتسلَّم الأخ من أخيه أو الابن من أبيه أو خاله أو ابن عمه أو أخته أو عمه أو عمته نفس الوظيفة! ليس لدي أي اعتراض في أن يعقب الابن أباه أو أخاه أو عمه في نفس الوظيفة، مادام ذلك قائماً على أساس الجدارة والكفاءة وتكافؤ الفرص! اعتراضي هو على سياسة «التوريث للوظيفة» من دون توافر متطلبات وشروط شغل الوظيفة، سواء في القطاع العام، أو في المؤسسات والهيئات والمنظمات والشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الدولة. إن الحكمة والحُكم الرشيد والعقل والمنطق يدعونا إلى كشف هذه الممارسات العنصرية التي تنخر في مؤسسات الدولة، وتضر بمصالح الدولة والمواطنين، وتسبِّب تصدُّعاً وشرخاً بقيم العدل والمساواة. لذا يجب عدم التفرُّج فقط على ما يدور من حولنا من ممارسات عبثية، بل يجب التحرُّك، وبسرعة، لوقف هذه الممارسات والتصرُّفات الظالمة، ومعدومة البصر والبصيرة، والتي تولِّد البغضاء والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. إن سوء استغلال نفوذ الأقرباء المتنفذين لمصالح شخصية وفردية على حساب المواطن البسيط سيزيد من الكراهية والتشرذم بين المواطنين. إنها إساءة للعلم والوطن والدستور حين يرفض المتفوق على دفعته، ويقبل الأقل منه علماً وخبرة. لقد أصبحت المناصب توزع بالوراثة، أو على اسم العائلة أو القرابة! فمتى نُوقف سيطرة ونفوذ المورثين المتنفذين، الذين يرون أن كل مَنْ يطالب بقيم العدالة والحُرية والمساواة وتطبيق القوانين التي ترسخ قيم الديموقراطية الحقة ومبادئ الحوكمة ومبدأ تكافؤ الفرص هو عدو لهم، ولا بد من تجنيد جميع وسائل الإعلام المختلفة لمحاربته وتلجيمه! أتمنى أن يتم سن بعض التشريعات والقرارات من قِبل الحكومة والجهات المعنية، للحد من هذه الممارسات الظالمة، ومن انتشار ظاهرة تعيين وتوريث الأقرباء في الوظائف بالقطاعين العام والخاص، لإقرار مبدأ العدل والمساواة والنزاهة والشفافية في الجهاز الإداري للدولة. ودمتم سالمين.