يبدو لكل مراقب لخطابات قائدنا إلى المكرمات، خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، القائد البطل، الإداري الفذ، المؤرخ العالم، الصحفي الذكي، الناقد الضليع، الأديب الأريب، حاضر البديهة دوماً.. أقول يبدو لكل مراقب لخطابات مقامه السامي الكريم وأحاديثه ومتابع، عندما يشكره شعبه على تعبه من أجلهم وعمله الدءوب وإنجازاته وما حققه لهم من مكتسبات مدهشة، ليس في عهده الزاهر الميمون هذا فحسب، بل منذ تسنُّمه إمارة منطقة الرياض، التي كان يقول عنها دوماً إنه يرى من خلالها الوطن كله، من أدناه إلى أقصاه، مؤكدين لمقامه السامي الكريم عرفانهم وامتنانهم لحسن صنيعه من أجلهم ومن أجل بلادهم وخير العالمين أجمعين.. أقول يبدو للمتابع لخطابات قائد قافلة خيرنا القاصدة وأحاديثه، أنه يحاول جاهداً، بما عرفه عنه الجميع من تواضع، أن يُعْزِي الفضل، بعد الله إلى غيره، من أعضاء الحكومة وموظفي الدولة وأفراد الشعب كلهم؛ شأن القادة الكبار دوماً عبر التاريخ. فقد سمعنا مقامه السامي الكريم أكثر من مرة، يخاطب المعنيين هنا وهنالك، خاصة القائمين على أمر الحج من أمير منطقة مكة المكرمة، إلى وزير الحج ولجنة الحج العليا وكافة المعنيين بخدمة الحجاج والمعتمرين وشؤون الحرمين الشريفين، يخاطبهم بأدبه الجم، وتواضعه المعهود: (... هذا الذي تحقق، هو بعون الله وتوفيقه أولاً، ثم لست أنا وحدي الذي أنجز هذا، بل كل واحد منكم شريك أصيل في هذا الإنجاز، وكل فرد من أفراد الشعب السعودي نساءً ورجالاً، هم شركاء في كل نجاح نحققه معاً بجهود الجميع وتقديرهم للمسؤولية، من أجل خدمة رسالة بلادنا سعياً لتحقيق مفهوم الخلافة في الأرض، وراحتنا جميعاً...) مستشهداً ببيت الشعر الشهير للشاعر دريد بن الصمَّة: وهل أنا إلا من غزيَّة إن غوت غويت وإن ترشد غزيَّة أرشدِ ثم يستدرك مقامه السامي الكريم ببديهته التي لم تخذله أبداً: (وغزيَّة لن تغوي إن شاء الله، فهي راشدة دوماً) كأنه يقول إن قومه يحسنون الصنع دوماً، ولهذا كان العمل والإنجاز والإبداع. والحقيقة من يعرف أن الشاعر دريد بن الصمَّة هذا، كان من صناديد العرب، سيد قومه وقائدهم وفارسهم، غزا نحو مائة غزوة، انتصر فيها كلها.. أقول من يعرف هذا، يدرك سر اختيار قائدنا الملك سلمان الاستشهاد بشعر هذا الشاعر القائد الفارس الصنديد، فالعظماء يعرفون بعضهم البعض. ويؤكد هذا ما ذهبت إليه في المقدمة، وما تعرفونه كلكم لولي أمرنا قائد ركبنا سيدي خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان من معرفته بالأدب. أردت أن أصل بهذا إلى القول إنه بدا لي اليوم في هذه المناسبة السعيدة التي نحتفي فيها بيوم الأخضر الخفَّاق، راية التوحيد العقدي، والوحدة الوطنية الاجتماعية الفريدة التي لا مثيل لها.. هذه الراية التي لا تضاهيها في الدنيا راية، إذ تُعَدُّ كلمة التوحيد أهم مكوناتها، بل مكونها الأساسي، تعبيراً راسخاً عن الوطنية والانتماء الذي تعتز به كل سعودية وكل سعودي حيثما كانوا.. انتماءً لوطن عزيزٍ غالٍ، ليس مثله في الدنيا وطن؛ شرَّفه الله سبحانه وتعالى، فجعل فيه أطهر البقاع وأقدسها على الإطلاق، مكة المكرمة التي كرمها الله فجعل فيها بيته العتيق، أول بيت وُضِعَ للناس، والمسجد الحرام، إضافة إلى المسجد النبوي الشريف، الذي شرَّفه الله فجعل فيه مثوى أشرف الخلق، رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، سيد ولد آدم؛ وجعل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يولُّون وجوههم شطر المسجد الحرام حيثما كانوا. أدرك يقيناً، أننا عندما نتحدث عن هذا الشأن العظيم، ربَّما يرى البعض أن الأمر عادي جداً، بل أكثر من عادي، ولا يثير فيه أي نوع من المشاعر، غير أن الواحد منَّا إذا جلس في لحظة تفكُّر صادقة وتأمُّل عميق، لا بد له أن يقشعر بدنه وتقف كل شعرة في رأسه من هذا الفضل العظيم، الذي تفضَّل الله به علينا، واصطفانا به دون سائر خلقه، من غير حول منَّا ولا قوة. وإنني على يقينٍ تامٍ أن العالم كله اليوم، حتى غير المسلمين، يتمنون لو أن الله عزَّ و جلَّ قد اختصهم هم بهذا الفضل العظيم. وبجانب هذا تفضَّل المنعم الوهاب علينا، فقيَّض لنا قادة كرام بررة، أصحاب رسالة سامية عظيمة، ضحُّوا بالغالي والنفيس من أجل استقلال بلادنا والمحافظة على مقدساتنا ورعايتها، والعمل ليل نهار من أجل عزتنا وحفظ كرامتنا وتحقيق سعادتنا. ولهذا أحسب أننا مهما نجتهد سنظل عاجزين عن وفاء هذه النعم العظيمة شكرها للمنعم الوهاب. ويقودني هذا لمقابلة استشهاد خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم الملك سلمان، ببيت الشعر الذي تحدثت عنه آنفاً، ببيت شعر قيل إن قائله الأصلي هو الشريف قتادة أبو عزيز بن إدريس، الذي ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب: بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ وأهلي وإن ضنُّوا عليَّ كرامٌ فأقول، وإن كنت أعترف أنني لست مثل مقام قائد مسيرة خيرنا الظافرة، خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في تذوق الشعر وسرعة البديهة، إلا أن التَّشبُّه بالرجال فلاح كما يقولون.. أقول إن بلادي لن تجور أبداً على أي فرد من بناتها أو من أبنائها، أو على غيرهما. وبالمقابل لن يضن أهلها أبداً على أي فرد مهما كانت الظروف. ولهذا أقول ملء الفيه إن بلادي أعزَّ بلاد في الدنيا، وإن أهلي أجود أهل في الوجود وأكرم. أجل، بلادي لن تجور أبداً إن شاء الله، لأن تحقيق العدل وبسط الأمن للمحافظة على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم وممتلكاتهم، هما من أهم أهدافها التي من أجلها أُنشئت، فها هو مؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، البطل الفذ، القائد العبقري الهمام، يأتيه قومه في قصر الحكم أو تناديه المارة في الطرقات باسمه مجرداً دونما ألقاب: يا عبد العزيز، يا أبو تركي.. إلخ؛ فيلتفت إليهم الرجل الكبير الذي لا يهتم للألقاب، بل يزيدها هو تشريفاً، مبتسماً، راضياً مطمئناً، ليسمع شكواهم ويجيب كل واحد منهم عن سؤله. فها هي تلك المرأة المسنَّة التي جاءته مستنجدة به بعد الله، بسبب ما لحقها من ظلم في قضية ميراث، قائلة إنها ليس لها من يدافع عن حقوقها. فيهب إليها الرجل الصالح، الحاكم العادل، ويطَّلع على ما معها من أوراق، ثم ينادي على كاتبه أن يكتب: (من عبد العزيز، إلى القاضي فلان آل فلان.. أنا وكيل هذه المرأة أمامك شرعاً). فما أن وصل مكتوب عبد العزيز إلى القاضي، حتى حكم لها و ردَّ إليها حقها. فأبلغ عبد العزيز المرأة الحكم وأمر بإنفاذه فوراً. ويقول عبد الكريم الجهيمان، المربي الأديب، في هذا المعنى مرحباً بالمؤسس عند قدومه مكة المكرمة عام 1359، في قصيدة له بعنوان (المليك فيك وفي بنيك): كم من يتيمٍ قد جبرت مصابه وكشفت عنه ما به بسناء وأرامل يشكرن فضلك في الدجى ويحثهن مكارم بيضاء وفي المعني نفسه يقول الشاعر صالح بن عبد العزيز بن عثيمين، في قصيدة له بعنوان (أهلاً بمقدمك الميمون) مرحِّباً بالملك عبد العزيز عند قدومه مكة المكرمة عام 1362: تولي الأرامل والأيتام من سغبٍ كأنها منك لم تيتم ولم تئم وعلى كل حال، لقد وردت هذه القصة التي تقشعر لها الأبدان حقاً بالتفصيل في كتاب خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم، الملك سلمان، عن والده المؤسس (ملامح إنسانية من سيرة الملك عبد العزيز) الذي عرض فيه مقامه السامي الكريم صوراً حية لمواقف تاريخية مهمة، جسَّدت العدل والإيمان الصادقين اللذين اتسمت بهما شخصية المؤسس. وأحب أن أضيف هنا: وورثهما عنه أشبه الناس به، قائدنا اليوم أبا فهد.