×
محافظة حائل

دفن ابنه وأكرم ضيوفه! - د. علي القحيص

صورة الخبر

لا نأتي بجديد أو نضيف شيئاً إذا تحدثنا عن كرم أهل «حائل» وأطرافها، حيث يرقد هناك ذائع الصيت أكرم العرب حاتم الطائي أيقونة الكرم الحاتمي الذي أصبح رمزاً عربياً في العطاء والكرم واشتهر بكرمه قبل وبعد الإسلام، ولازالت رموز ومعالم وملامح كرمه في بلدة (توارن) بمنطقة حائل، حتى أن التلفزيون الهندي عمل مسلسلاً عنه قبل عدة سنوات تم بثه عبر التلفزيون الهندي الرسمي. كتب عن كرم أهل حائل الكثير من الرواة والمؤرخون والباحثون والمستشرقون، أما أن يأتي ضيف وصاحب المنزل يدفن ولده الوحيد، ويعود لمتابعة واجب استضافة الضيف، فهذا ربما يعد من نسج الخيال أو الأساطير الشعبية وحكايات التراث. يحكي لنا الراحل الكبير فهد العريفي، نقله عن العقيلي محمد الحامد الشعشاع، رحمهما الله، حسب ما أورده أحمد الفهد في تغريداته، يقول العقيلي للعريفي إنه دخل رجل هو وصاحبه بلدة «موقق» في حائل، وأناخا راحلتهما عند باب أهل البلدة نفسها، ولما سمع صاحب المنزل رغاء الراحلة عند إناختها لتبرك بالأرض أمام المنزل، فتح لهما باب منزله وحيَّا ورحب بهما وهو لا يعرفهما من قبل وعرف أنهما ليس من المنطقة، واستقبلهما ورحب بهما وقدم لهم واجب الضيافة في غاية الكرم والتقدير بكل هدوء ودون أي توتر أو قلق أو حزن. أقام الضيفان يومين في ضيافة الرجل، حيث حسن الضيافة وغاية الكرم، وقررا أن يغادرا إلى مدينة حائل ليمضيا في الطريق للتسوق من سوق في وسط المدينة، ولحق بهما رجل من أهل بلدة موقق، وسألهما عن مضيفهما الرجل الذي كانا في منزله وعسى أن قدم لها الواجب اللازم، تملكهما الاستغراب والدهشة من سؤال الرجل الغريب، ولكنه أراد أن يتأكد أنهما لقيا حسن الكرم والضيافة، فرد عليه الرجلان لماذا هذا السؤال المحرج الغريب وأنت تعلم وتدري عن كرم أهل موقق، أنا أردت أن أطمئن منكما لأتأكد من أن مضيفكما قدم لكما واجب الضيافة كما ينبغي من عدمه، لأن الرجل الذي استقبلكم في بيته وقبل وصولكم بساعة تقريباً، كان قد رجع من المقبرة متعباً ونحن معه، بعد أن دفن ابنه الوحيد الذي توفي يومها! هذا الكرم المفرط الذي أحياناً يتجاوز المألوف إلى حد التهور ويتجاوز كل المحن والصعاب والمصائب الكبرى والظروف القاسية والمعاناة المُرة، من أجل إكرام الضيف وتقديره.. هذه قصة ليست من نسج الخيال أو الأساطير أو الروايات والقصص المحكية، إلا أنها قصة حقيقية حصلت في حائل ولازالت تتردد في الأحياء من أحفاد هؤلاء الرجال الصابرين الأقوياء، الذي يعتبرون إكرام الضيف أهم من إقامة العزاء لابن الرجل الوحيد الذي دفن ابنه، ولم يخبرهم بمصيبته ولوعته وحزنه، بل تظاهر بأنه مستعد لاستقبال الضيوف وإكرامهم حسب أعراف وتقاليد العرب دون أن يشعرهم بمصيبته! يقول أحد أهل حائل، لا نستطيع أن نتخلى أو نترك هذه العادات والتقاليد الأصيلة، التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا، وكلما أردنا أن نقتصر بالكرم أو نقلل منه، نتذكر (هذا الشايب) الذي يرقد عندنا فكيف نقول أو نتجاهل أو نتعذر (لحاتم الطائي) الذي ترك وأورث لنا هذه التركة الكبيرة والمهمة التي تسير بدمائنا وعروقنا ومخيلتنا ولم نستطيع التخلص منها، وكلما مضى الزمن، زدنا إصراراً على هذه الخصال الطيبة والقيم العالية. ** ** - كاتب سعودي