عادت بي الذاكرة ثلاثة عقود إلى الوراء، إلى تلك الليالي التي كانت تتوهج دفئًا وحبًا، حين كنتُ أنا وأخي الأكبر ننتظر بلهفة لحظة عودة أمي من مجلس الذكر ذلك المجلس الذي اعتادت أن تزوره بشوق، حيث كانت تغرف من معين الروح ما يزيدها سكينة، وتعود إلينا محمّلة بأنوار الطمأنينة وفي أخر ليلة من ليالي شعبان كنا نترقبها كمن ينتظر ضوء الفجر بعد ليل طويل، نراقب الوقت بحماس طفولي، فكلما اقتربت لحظة وصولها، اشتعلت قلوبنا بالفرح، وبدأنا استعداداتنا الصغيرة؛ أحدنا يتسلق النافذة يرقب الطريق، والآخر يقف عند الباب، متأهبًا لأول إشارة تدل على حضورها.. وما إن يتناهى إلى مسامعنا صوت الباب يُفتح، حتى يدبّ الفرح في أوصالنا، كأننا عثرنا على كنزٍ مخبأ. كان ذلك الصوت يعني شيئًا واحدًا: أمي هنا. وما إن نسمع صرير الباب، حتى نعلم أن القلب الحنون قد عاد، فننطلق في سباق لا يعرف قوانين ولا حدود، سباق يملؤه الحماس، وتكتنفه العفوية؛ أحدنا يتعثر بالجدار، والآخر يمتطي الدرابزين متخذًا منه سُلّمًا سريعًا إلى أحضانها، مدركين أن السقوط حتمي، لكن لا بأس، فالجائزة تستحق المغامرة! وكم من مرة أسقطني الحماس قبل أن أصل، فأتدحرج على الدرج متلقّيًا الضربات هنا وهناك، لكنني لا ألتفت إلى الألم، بل أرفع رأسي لأجد أخي قد سبقني، فأمد يدي بشقاوة طفولية وأتشبث به، معرقلًا تقدّمه، فيضحك هو، وأضحك أنا، ونواصل السباق حتى نرتمي معًا في ذلك الحضن الذي كان يسع الدنيا بأسرها. وبعد أن تستقر أمي، تمتد يدها إلى حقيبتها السوداء المزخرفة بقطع «الترتر»، ذلك الكنز الذي كنا ننتظره، فتخرج لنا بعض الحلوى، وحينها تحسم النتيجة لصالح الأصغر، فأفوز بحصة الأسد، بينما يكتفي أخي بما تبقى. لم يكن السباق من أجل الحلوى فحسب، بل كانت غايتنا الأسمى أن نرافقها إلى حجرتها، حيث المبتغى الأجمل. وما إن تزيح «البيشة» عن رأسها الناعم، وتضعها على الشماعة أو فوق السرير، حتى نبادر نحن بالتقاطها، نشتم عبيرها الفريد، ذلك العطر الذي لم يكن مجرّد رائحة، بل كان امتدادًا لروحها الطاهرة وحنانها الدفاق كنا نمسك بها كما لو كنا نحتضن قلبها، ونشعر براحة تغمرنا، وكأن الزمن يتوقف لحظة، ليمنحنا هذا الدفء الأبدي. ومضت السنوات، أكثر من عشرين عامًا مضت على تلك الأيام، ولكن الذكرى لا تزال نابضة في أعماقي، حيةً في وجداني، لا تغيب عن الذاكرة ثم جاء ذلك اليوم، يومًا غريبًا، عدت فيه إلى غرفة أمي، وحيدًا، وبينما كنت أدخلها، توقفت لحظة في عتبة الباب كانت الغرفة هادئة، إلا أنني شعرت بشيء غريب، إحساس لا يمكنني تحديده توقفت وأنا أبحث عن شيء ما، رائحة ما، تلك الرائحة التي كانت دائمًا تملأ المكان وتمنحني شعورًا بالأمان ، وإذا بي أستنشق رائحة مألوفة، رائحة لا أستطيع أن أخطئها، رائحة أمي. نظرت إلى «البيشة» التي كانت على السرير، وإذا بها قد تغيرت حياكتها، ولكن عبيرها ظل كما هو، لم يتغير حينها أدركت أن تلك الرائحة لم تكن مجرد عطر على قماش، بل كانت نسيمًا ينبعث من روح أمي، من حبها الذي لا يزول، من دفئها الذي يعانق المكان بكل زاوية، كما لو أن الزمان قد تجمّد في تلك اللحظة، ولم يغادر أبدًا عندها، احتضنت البيشة بكل شوق، غطيت بها وجهي، وأسدلت أطرافها على جسدي، مستشعرًا دفء أنفاسها العالقة، وغرقت في ذكرياتي، هامسًا بدعائي الخالص: «اللهم اجعلها في روحٍ وريحان، وجنة نعيم.» كم أشتاق إليكِ يا أمي.. كم أحن إلى حضنكِ الذي كان يأويني من قسوة الأيام، يا من كنتِ لقلبي وطنًا، ولروحي سكينة، يا من كانت الحياة لا تكتمل إلا بكِ.