×
محافظة الخبر

بين إثراء ومجسم وطن.. عندما يلتقي الفن بالمدينة

صورة الخبر

التقاء إثراء بمجسم وطن لا يمثل مجرد تعاون بين مؤسستين، بل لحظة تعيد تعريف الهوية البصرية في مدينة الخبر والمنطقة الشرقية، ليس على مستوى المنتجات الفنية فقط، بل على مستوى طريقة التفكير.. فالفن هنا ليس زينة؛ بل منهج، والعمارة ليست مبنى؛ بل وعي، والمدينة ليست خلفية محايدة؛ بل شريك في إنتاج المعنى.. تعيش المدن لحظاتها الأكثر حيوية حين يلتقي فيها الفن بالفضاء العام، وحين تتحول المبادرات الثقافية إلى أدوات لإعادة قراءة المكان وصياغة علاقة المجتمع به. وفي هذا السياق، تأتي هذه القراءة لتتبع إحدى التجارب التي تكشف كيف يمكن للشراكات الثقافية أن تعيد تشكيل الوعي العمراني وتفتح آفاقًا جديدة للتفاعل بين الإنسان والمدينة. منذ أن كان مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) فكرة تتشكل قبل عام 2006، كنت أرى فيه مشروعًا يتجاوز حدود المبنى إلى ما هو أبعد: مشروعًا يعيد صياغة علاقة المجتمع السعودي بالإبداع، ويمنح الشباب مساحة يتنفسون فيها الفن بوصفه ممارسة يومية لا حدثًا عابرًا. ومع مرور السنوات، تحولت تلك الفكرة إلى منظومة ثقافية متكاملة، تتقاطع فيها المعرفة بالتجربة، ويتجاور فيها الفن بالمدينة، ويصبح فيها التصميم لغة قادرة على إعادة قراءة المكان والإنسان معًا. نحن نتحدث عن رؤية 2030 بكل ما تحمله من تحولات وإعادة صياغة لمفهوم المدينة وجودة الحياة وعلاقة المجتمع بالفن مما يجعل الشراكة بين إثراء ومبادرة مجسم وطن، التابعة لمجموعة الفوزان، واحدة من اللحظات المفصلية التي تكشف عن عمق التحول الثقافي الذي تعيشه المملكة. فهذه الشراكة، التي جاءت ضمن إطار تنوين 2025، لم تكن مجرد تعاون مؤسسي، بل منصة ممتدة على مدار عام كامل، جمعت بين ورش العمل، والبرامج النوعية، والجولات الميدانية، والمعارض، في مقاربة تعيد تعريف العلاقة بين التصميم والسياق الحضري. لقد بدا وكأن المدينة نفسها أصبحت مختبرًا مفتوحًا، يتعلم فيه المصممون من الشوارع، وتتعلم الشوارع من المصممين. فمبادرة مجسم وطن تنطلق من رؤية ترتكز على تعزيز الانتماء الوطني عبر العمارة، من خلال مسابقة تصميم تستهدف تطوير الدوارات والميادين الحضرية بوصفها عناصر يومية تحمل إمكانات رمزية قادرة على التعبير عن الهوية المحلية. وهذه الرؤية تمثل نقطة التقاء طبيعية بين إثراء والفوزان، فكلاهما يرى العمارة أداة تعبيرية تتجاوز الشكل إلى المعنى، وتتعامل مع الفضاء العام بوصفه مساحة لإنتاج الوعي قبل أن يكون مساحة للمرور. وقد تجسّد هذا اللقاء في سلسلة من البرامج النوعية التي طوّرتها وحدة الإبداع والابتكار في إثراء بالتعاون مع مجسم وطن. هذه البرامج لم تبقَ في حدود النظرية، بل تُوّجت بحضور مجسم وطن ضمن أسبوع إثراء للتصميم، تنوين سابقًا، حيث استعرض المشاركون مخرجاتهم، وفتحوا حوارًا مباشرًا مع الجمهور، وقدموا نماذج لتجارب معمارية سعودية سابقة. كما امتدت التجربة إلى الشارع نفسه، عبر جولات معمارية بالتعاون مع أمانة المنطقة الشرقية، انطلقت من إثراء إلى معالم الخبر، لقراءة المشهد العمراني على أرض الواقع وربط الأفكار بالسياق الحقيقي. لكن الأهم من ذلك كله هو أن المبادرة تجاوزت حدود العرض إلى التنفيذ الفعلي. فقد تبنّى القطاع الخاص عددًا من المجسمات الفنية التي انبثقت من "تحديات تنوين" وتحولت هذه الأفكار إلى مجسمات معدنية من الألومنيوم والحديد، تعرض اليوم في حديقة الفوزان كنماذج حيّة لتحويل التصميم إلى واقع. كما تعاون إثراء ومجسم وطن في تحويل مخرجات تحديات سابقة إلى تدخلات حضرية دائمة، مثل جناحي إيوان وفسيلة في شارع عبداللطيف الفوزان بالخبر، في خطوة تعيد تفعيل الفضاء العام وربطه بالهوية المحلية. وهنا يمكن القول إن التقاء إثراء بمجسم وطن لا يمثل مجرد تعاون بين مؤسستين، بل لحظة تعيد تعريف الهوية البصرية في مدينة الخبر والمنطقة الشرقية، ليس على مستوى المنتجات الفنية فقط، بل على مستوى طريقة التفكير.. فالفن هنا ليس زينة؛ بل منهج، والعمارة ليست مبنى؛ بل وعي، والمدينة ليست خلفية محايدة؛ بل شريك في إنتاج المعنى. وهذا ما يجعل هذه التجربة جزءًا من التحول الأكبر الذي تعيشه المملكة، حيث يصبح الفن موردًا ثقافيًا واقتصاديًا، وتصبح المؤسسات الثقافية، مثل إثراء، منصات لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والإبداع. إن ما تصنعه هذه المبادرات ليس مجرد أعمال فنية أو ورش عمل أو معارض، بل تحول منهجي في طريقة إنتاج الفن والعمارة في المملكة. تحول يجعل من المدينة مساحة للتجريب، ومن المجتمع شريكًا في الإبداع، ومن التصميم لغة يومية تعيد تشكيل علاقتنا بالمكان. وفي هذا المعنى، تبدو هذه الشراكة نموذجًا متقدمًا لإشراك القطاع الخاص في دعم المشهد الإبداعي، ولتأسيس حوار مستمر بين المصممين والمجتمع، ولتعزيز حضور التصميم كأداة فاعلة في تشكيل المدينة السعودية في المستقبل. هذه التجربة تقدم مثالًا واضحًا على كيف يمكن للتعاون الثقافي أن يتحول إلى قوة مؤثرة في تشكيل المدينة السعودية وفي صناعة جيل من المبدعين الذين لا يقبلون إلا التنافس مع قرنائهم في العالم. فهي لا تكتفي بإنتاج أعمال فنية أو مبادرات تصميمية، بل تفتح أفقًا أوسع لفهم الفضاء العام بوصفه مجالًا للوعي والمشاركة. وهكذا، تصبح خطوة إضافية في مسار طويل يعيد للمدينة دورها كمنصة للإبداع، ويمنح المجتمع فرصة ليكون جزءًا من صياغة ملامح المستقبل.