×
محافظة الدرعية

الدرعية.. الأزل المتجدد

صورة الخبر

لا أظن أحداً يستطيع تناول تاريخ المملكة العربية السعودية العريق وسبر أغوار البداية بعيداً عن الدرعية؛ لطالما شدتني قصةُ الدرعية الملهمة، وجذبتني إليها كانجذابِ الفراشات إلى الضوء، وإغراءِ النحل بالرحيق. فكلما أمعنتُ النظر في تلك الديار العتيقة، تراءى لي الزمنُ وهو يعود إلى نطفته الأولى. وكما قال الطيب صالح: «هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا من الطوب الأحمر، ولكنها من الطين نفسه الذي يُزرع فيه القمح». فالطين بالدرعية بالنسبة لي ليس مجرد مادة للبناء، بل هو ذاكرةٌ حية؛ إذ تشهد كل لبنةٍ فيها على أسماء الذين عبروا بوطنهم للمستقبل رغم الصعاب غير أني ما زرتُ يوماً الدرعية، ولم تطأ قدماي ترابها، أو تكتحل عيناي برؤيتها، لكني سمعتُ عن ذلك السر القديم الذي تأبى الأرضُ إلا أن تبوحَ به؛ وهو كيف أن القفرَ أنبتَ دولة، وكيف استحال «الحلم» إلى «قدرٍ» مقدور. وكيف انتقل صدى خيول الماضي إلى المستقبل، كأنه نبضٌ متصل، وهمساتٌ تتردد أصداؤها في قلب الجزيرة العربية وأطرافها الممتدة. ففي حضرة النخل والرمال بالدرعية، حيث يلتقي الأزلُ باللحظة الهاربة، ولدت الحكاية، واكتملت الدائرة؛ فما بدأه الأوائل بضربة سيفٍ فوق رمالٍ لاهبة، يُتمّه الأحفادُ اليوم بضربة عبقرية فوق خارطة المستقبل. إنها حكاية لا تنتهي، بل تتجدد؛ قصة الأرض التي استعصت على النسيان، فصاغت من عثراتها جسوراً، ومن صبر نخلها شموخاً يطاول الغمام. وطنٌ يتأسس كل يوم، لأن طموحه خُلق ليكون.. لا ليزول. لا غرو أن الدرعية قد نجحت في كتابة قصتها الخاصة بصبر الصحراء، وهمة جبل طويق، مستلهمةً من تراثها العريق الزاخر كلَّ ما هو أصيل، ومنقاده بقيم الآباء والأجداد الذين يرقبون أحفادهم وهم يبنون على ذات الرملِ مدينةً أخرى، يحدوهم العيش بين عظمة الماضي والتطلع لمستقبل أعظم. إنك حين تنظر إلى الدرعية يا صاحبي في ذلك الزمان الأغر، تجد أنها كانت مرفأ السياسة، ومعقل الريادة، وواحة الثقافة، والموطنَ العامر بالحفاوة والقِرى؛ إذ اتخذت الدرعية من المستقبل مطيةً، ومن العزيمة مسلكاً، ومن البراعة نهجاً، لتصل إلى آفاقٍ رحبةٍ بعيدة. إنني أجد شعبَ المملكة العربية السعودية شعباً مزيجاً عجيباً؛ فهو معجونٌ بالسكينة التي ورثها من مكة، وكذلك بالأنفة التي استقاها من نجد، واللين الذي جلبته رياح الفصول، والشموخ الذي نحتته جبال السروات. شعب المملكة هو أشبهُ بنخلةٍ -إن جاز التعبير-؛ شامخٌ في السماء بكرامته، لكنه يحني عذوقَه بالخير لكل من طرق بابه. فهؤلاء القوم حينما تراهم اليوم يبنون بيوتاً ويشيدون أعمالاً، فإنھم في الحقيقة يبنون «زمناً» خاصاً بهم؛ فما الذي يمنعهم إذاً من رسم خارطة النجوم؟».