×
محافظة الأحساء

اليد التي تبني

صورة الخبر

رجعت من بعثتي للدكتوراة خبيراً بوضع المياه في ذلك الوقت، ليس في الأحساء وحسب، ولكن على مستوى المملكة والعالم. أصبحت أتخيل وضع مستقبل المياه بشكل علمي في ظل ندرة المياه، وغياب المياه السطحية في بلادنا «حفظها الله». أقنعت نفسي بأن الله أرسلني لخدمة مياهنا الجوفية وصونها. أبحرت بالمزيد حول أهميتها، لأنها قابلة للنضوب. استنزافها بشكل جائر وعشوائي يعمل ضد مصالح أجيالنا القادمة. بعد عودتي من البعثة بسنوات اكتشفت صدفة أن جامعتي تلقت خطابا من الجامعة التي منحتني الدكتوراه، يؤكد أن شخصي مكسباً لجامعة الملك فيصل، وللمملكة العربية السعودية. اعتبرت تأخره عني أحد أقسى أنواع البخل. كان لهذا مؤشراته السلبية على نفسي. مع ذلك أجدني دوما كـ»المارد» تزيده «المنغصات» قوة وإصرارا على التقدم ومواصلة النجاح والتفوق والإبداع. أيضا في أحد الأيام، وبعد عودتي بالدكتوراة، استدعاني عميد كلية العلوم الزراعية والأغذية . عام «1993». عرض على شخصي عدم تناول المياه في المؤتمرات والندوات. بفطنته نصح بعدم تجاوز هذه التعليمات. أوجست قلقا وغمرتني أسئلة ليس لها نهايات. بقيت أتساءل عن مصير ما أحمله من علم ومعرفة جديدة. كيف يمكن توصيلها للناس، لرفع ثقافتهم وتعظيم اهتمامهم بالمياه الجوفية؟ أيضا كيف يمكن توصيل صوتي لواضعي السياسات المائية؟ جعلت نفسي في وضع «تأهب» لصيد واقتناص أي فرصة للإفصاح بما أحمله من رسالة علمية مسؤولة يجب توصيلها. بالمقابل نجحت في وضع مقررين في الكلية هما: الإرشاد المائي الزراعي، والإرشاد البيئي. جاءت الفرصة الذهبية للكتابة مع بداية تخفيض دعم زراعة القمح. كأنها كانت تدعوني للوقوف مع التوجه بتخفيضه لصالح المياه الجوفية الأحفورية الاستراتيجية. رأيتها فرصتي المناسبة للمشاركة بالكتابة، لتوضيح ما يجهله البعض. وجدتها أيضا فرصة ذهبية لتجاوز النقاط التي نقلها لي العميد. فأرسلت بأول مقال عن المياه الجوفية بعد الدكتوراة، لمجلة محلية. نشروه في العدد «1285»، تاريخ 15 ديسمبر «1993». فيه أوضحت: - أن استنزاف المياه الجوفية فاق تقدير عام «2000» بثلاث مرات-، وفقا لخطط التنمية في ذلك الوقت. أوضحت أيضا: «أن استهلاك شركة زراعية واحدة تجاوز استهلاك مدينة الرياض». دعوت إلى: «الزام الجميع بوضع عدادات مياه على الآبار الارتوازية». استغرق تطبيق هذه الدعوة أكثر من ثلاثة عقود. وهكذا مع بقية ما أطرحه من أفكار علمية. المفاجأة أنهم في المجلة لم يكتفوا بنشره، لكنهم اتصلوا بشخصي لطلب المزيد. أحدث المقال الأول ردود أفعال متباينة. كان «اسمي» جديداً في الساحة الصحفية المحلية، وهذا أيضا كان كافيا لإثارة بعض الغموض. بدأت استلم ردود أفعال بعضها يحذر، وبعضها يشجع، وبعضها يتساءل: هل أنت من كتب المقال؟ تشجعت لمواصلة الكتابة بعد اتصال المجلة لطلب المزيد من المقالات. البعض كانت مهمته إدخال الرعب الى نفسي خوفا من تجاوز الخطوط الحمراء، ولا أعرف ماذا يقصدون؟ البعض من الأخوة العرب في الكلية سألوا هل أنا في حزب فكان جوابي لا أحزاب عندنا. لكن اليد التي تبني غير اليد تهدم. وكنت مقتنعا بأني تلك اليد التي تبني.. ويستمر الحديث. mgh7m@yahoo.com