في الأسبوع الماضي، نُشر خبر عن اعتزام المملكة تأجيل مشروع المكعب، هذا الخبر - أشك في صحته، ولو كان صحيحا لأعلنه مصدر رسمي- تم تسليط الضوء عليه من قبل وسائل الإعلام العالمية، من زاوية تحيز والقراءة الانتقائية المعادية حينا، حيث تعاملت مع خبر إيقاف أو إعادة جدولة أحد المشاريع الكبرى بوصفه مؤشر أزمة اقتصادية. في المقابل، تعامل الإعلام العربي مع الخبر بصمت أو نقل مجتزأ بلا تفسير اقتصادي أو شرح سياقي؛ مما ولد الكثير من الضبابية، بسبب غياب التفسير المهني الصادق، فالإعلام المهني لا يقف عند الحدث، بل يضعه داخل منظومة أرقام ونظريات وقياس كلي. الخبراء في الإعلام الاقتصادي يعلمون أن متانة الاقتصاد الكلي لا تُقاس بمشروع منفرد مهما كان حجمه، بل بمجموعة من المؤشرات الكلية تشمل الناتج المحلي، نمو القطاعات غير الأساسية، تدفقات الاستثمار، التوظيف، الإنتاجية، واتساع القاعدة الاستثمارية. بنظرة على الأرقام المؤكدة ومن مصادرها الموثوقة المنشورة عن الاقتصاد السعودي، نجد أن الناتج المحلي تجاوز نحو 4.7 تريليون ريال بنهاية 2024، مقارنة بما يقارب 660 مليار دولار قبل عقد تقريبًا، وتدفقات استثمار أجنبي مباشر تقارب 119 مليار ريال في عام واحد، ورصيدًا تراكميًا يقترب من تريليون ريال، وأكثر من 62 ألف شركة أجنبية مرخّصة، ونحو 700 مقر إقليمي لشركات عالمية، وخلق ما يقارب 800 ألف وظيفة منذ 2016، وارتفاع عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص إلى نحو 2.48 مليون. هذه هي أدوات القياس العلمي، لا الأخبار الجزئية. ووفقاً لأساليب إدارة الاستثمار العام المعتمدة لدى OECD والبنك الدولي، تُدار المشاريع الكبرى ضمن ما يُعرف بإدارة المحافظ الاستثمارية العامة، حيث تُقيَّم المشاريع كجزء من محفظة استثمارية متكاملة تعمل على إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة الجدولة، وتحويل الموارد نحو المشاريع الأعلى عائدًا مرحليًا، وضبط التدفقات النقدية. ويُعرف ذلك بتحسين تخصيص رأس المال، وهو مؤشر كفاءة تخصيص لا دليل تعثر. القرار هنا ليس «إيقافًا» بقدر ما هو إعادة توزيع. تظهر بيانات جامعة أكسفورد أن ما بين 60% و70% من المشاريع الكبرى عالميًا يتم تعديل نطاقها أو جدولها الزمني أو مراحل تنفيذها. وتوضح مشاريع البنية التحتية أن التعديل المبكر في التصميم أو الجدولة يقلل متوسط تجاوز التكاليف بنسب قد تصل إلى 20-30%. أي أن إعادة التصميم أو الجدولة هو ممارسة إدارة مخاطر معيارية، لا حدثًا استثنائيًا. وفي إطار التخطيط الاقتصادي التكيفي، المستخدم في اقتصادات التحول تُعد مراجعة المسارات الاستثمارية استجابةً للبيانات الجديدة مؤشر نضج مؤسسي. الاقتصادات التي لا تعدّل خططها رغم تغير المعطيات تُظهر، وفق أدبيات التنمية، قابلية أعلى لهدر الموارد وانخفاض كفاءة العائد. هنا يتضح لنا أن التمييز بين التباطؤ الاقتصادي وإعادة التوازن الاستثماري ضرورة. فالتباطؤ له مؤشرات كمية واضحة: انكماش متتالٍ في الناتج، هبوط واسع في الاستثمار الكلي، تراجع التوظيف، انخفاض الإنتاجية، تقلص الائتمان، وانخفاض الرخص الجديدة. أما إعادة ترتيب المشاريع مع استمرار نمو الاستثمار، وتوسع قاعدة الشركات، وارتفاع التوظيف، وتحسن البيئة التنظيمية، فهي حالة مختلفة إحصائيًا ومنهجيًا. لهذا ليس من المفترض أن ينشر الإعلام الاقتصادي الواعي عن توقف مشروع؟ بل ينشر عن ماذا تقول المؤشرات الكلية؟ ما اتجاه الاستثمار الرأسمالي؟ ما حركة تدفقات الشركات؟ ما بيانات سوق العمل؟ ما نمو القطاعات الجديدة؟ لأن الاقتصاد منظومة مترابطة، وليس عنوانًا منفردًا. إن الإعلام السنع لا يدافع ولا يتحيز، بل يقيس، ويعود إلى الأرقام والنظريات المعتمدة. ففي الاقتصاد، الحقيقة تُقرأ من البيانات المتراكمة، لا من ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.