قاد الرئيسُ العراقيُّ الأسبق -صدَّام حسين- توسُّعًا إقليميًّا خَشِنًا، بمعنى أنَّه كان عسكريًّا بحْتًا، فاحتلَّ الكويتَ في ظهيرة صيف لاهبةٍ، وضمَّها إليه تحت اسم المحافظة التاسعة عشرة، لكنَّه اصطدم بالعالم الذي طرده من الكويت بالقوَّة العسكريَّة شرَّ طردة، ثمَّ كان مصيره الشَّنق حتَّى الموت!. ويكفي بهذا درسًا رادعًا للدُّول الطَّامحة في التوسُّع، لكنْ هناك دول ما زال لديها نفسُ الطُّموح، رغم أنَّها صُغْرَى وليست كُبْرَى، وقد غيَّرت إستراتيجيَّة التوسُّع الخَشِنَة، ولم تعتمد على دبَّابات عابرةٍ للحدود، ولم تَحْتَجْ لبيانات حربيَّة، بل أدارت التوسُّع من مكاتب قادتها الوارفة الظِّلال، عبر دفع الأموال الطَّائلة، وشراء السِّلاح لوكلائها المحليِّين الخونة في الدُّول التي تريد التوسُّع فيها، وتحت عناوين جذَّابة وبرَّاقة مثل: مكافحة الإرهاب، أو محاربة الإخوان، أو حماية الاستثمارات الاقتصاديَّة، أو مناصرة الأقليَّات، أو كلِّ ما سبق!. هذا نموذجٌ ثانٍ للتوسُّع، وأُسمِّيه التوسُّع الهَجين، أي الخليط بين التوسُّع الخَشِن، وبينَ التوسُّع النَّاعم الذي يشبه جلد الثُّعبان، وملمسه ناعمٌ لكنَّ لدغته سمٌّ زُعافٌ، وتقوده أبوظبي حاليًّا، بدعم واستقواء من إسرائيل، ذات النَّوايا التوسُّعيَّة الأكبر، وهو توسُّعٌ طويلُ الأمد، ونَفَسه طويل، ولكنَّه خطيرٌ للغاية ما لم يُوقَف عند حدِّه قبل أنْ يسترسل، لا سيَّمَا وأنَّه منصبٌّ فقط على العديد من الدُّول العربيَّة والإسلاميَّة كجلمودٍ صَخرٍ حَطَّه السَّيْلُ مِن عَلٍ!. وسواء أنكرت أبوظبي ذلك، أو برَّرت موقفها المفضوح بجلاجل، فإنَّ النموذج الثَّاني تُقيمه هي بلا كَلَل، ولا يبدو أنَّها ستتخلَّى عنه، وهو يمسُّ الأمنَ القوميَّ لدولٍ عربيَّةٍ مهمَّةٍ تقع في أطراف المُحيط العربيِّ وفي داخله، وعاكست موقفها النَّبيل الذي كانت عليه في عهد الشيخ زايد بن سلطان -يرحمه الله-، وفعلت نفس فعلة صدَّام حسين، ما الفرق؟ لا فرق سوى اختلاف الزَّمن، وجرحت مبادئ مجلس التَّعاون الخليجيِّ، وجامعة الدُّول العربيَّة، ومنظَّمة التَّعاون الإسلاميِّ، جُرْحًا بليغًا يضرُّ بالعلاقات بين دول هذه الهيئات، وانحازت انحيازًا أعمَى لإسرائيلَ التي هي المستفيد الوحيد من تقسيم الدُّول العربيَّة وتفتيتها، حتَّى أنَّ أحدَ نُخب الإمارات، وهو الدكتور علي النعيمي ألقى كلمةً في الكنيست الإسرائيليِّ، وقال فيه بالحرف الواحد: إنَّ (التَّعاون بين الإمارات وإسرائيل ليس تطبيعًا وسلامًا فقط، بل تعاونٌ شاملٌ لتغيير المنطقة حسب رؤيتهما المشتركة)، التي أراها الأخطر على العرب في العهد الحديث!. ويعلِّمنا التَّاريخ أنَّ كلَّ توسُّع خَشِنٍ أو نَاعمٍ يُبنَى على إضعاف الدُّول الأُخْرى سيرتدُّ وبالًا يطال حتَّى الدُّول المتوسِّعة، إذا ما واجه قوَّةً عادلةً تكرهُ الخراب، وهي في حالتنا الآن (المملكة العربيَّة السعوديَّة) كما كانت مع الولايات المتَّحدة في زمن صدَّام حسين، وقيادة السعوديَّة واعية بالأخطار، وهي مع الحقِّ، والحقُّ معها، شاءَ مَن شاءَ وَأَبَى مَن أَبَى، وتمضي الأحداث من صدَّام لأبوظبي، ويا عرب لا تحزنوا، فالسعوديَّة للمخطَّطات بالمرصاد!.