عندما يتحدَّث المجتمعُ عن التوحُّد، غالبًا ما تتبادر إلى الأذهان مشاهد التَّشخيص الأوَّل، وكلمات الأطباء، لكن الواقع الحقيقي لا يتوقَّف عند تلك اللحظة، فالتوحُّد هو اضطرابُ طيفٍ يؤثِّر في التواصل والسلوك والتفاعل الاجتماعيِّ، يعيش مع الأفراد طوال حياتهم، ويتطلَّب منظومةَ دعم متكاملة، تبدأ من التَّشخيص المبكِّر، وتمتدُّ إلى التَّعليم والتَّدريب المهنيِّ، والاندماج في المجتمع والعمل، وهذا هو الفاصل بين الرعاية والاغتراب: الأوَّل يبني الجسور، والثَّاني يترك الأسر في حالة من العُزلة والبحث المستمر عن الدعم. تشير دراسات حديثة، إلى أنَّ انتشار اضطراب طيف التوحُّد بين الأطفال في المملكة، يتراوح بين 1.70% و1.8%، وعلى المستوى العالميِّ، تُقدِّر منظَّمة الصحَّة العالميَّة أنَّ طفلًا واحدًا من بين كل 160 طفلًا يعيش مع اضطراب طيف التوحُّد. هذه الإحصائيَّات تُظهر أنَّ التوحُّد ليس نادرًا كما كان يُعتقد في الماضي، بل هو واقعٌ وظاهرةٌ متنامية تحتاج إستراتيجيَّات وطنيَّة شاملة. وتعمل المملكة منذ سنوات على تطوير خدمات الدعم للأشخاص ذوي التوحُّد، ويوجد حاليًّا أكثر من 200 مركز وجمعيَّة أهلية متخصِّصة تخدم ذوي الإعاقة عمومًا، ومن ضمنهم ذوي التوحُّد، موزَّعة في مختلف مناطق المملكة. ومن أهم هذه الجهات: مركز الأمير محمد بن سلمان للتوحُّد واضطرابات النمو، وهو جزء من برنامج أطلق باسم برنامج الأمير محمد بن سلمان للتوحُّد واضطرابات النموِّ الذي يشمل عدة مراكز في مختلف مناطق المملكة منها الرِّياض، جدَّة، الطَّائف، تبوك، حفر الباطن، خميس مشيط، الظَّهران ويخدم مئات الأطفال، ويقدِّم خدمات متخصِّصة ضمن مستشفيات القوات المسلَّحة، والجمعيَّة السعوديَّة للتوحُّد في الرِّياض التي تقدِّم برامج تدخُّل مبكِّر، وتعليم وتأهيل، ومركز عبداللطيف الفوزان للتوحُّد في المنطقة الشرقيَّة، ومراكز التوحُّد في جدَّة التي تبنَّت مناهج تعليميَّة وتأهيليَّة للأطفال والعائلات منذ أوائل التسعينيَّات. ورغم وجود مراكز وخدمات في المملكة، إلَّا أنَّ بعض التحدِّيات لا تزال قائمةً من حيث تفاوت التَّغطية الجغرافيَّة، بحيث لا تتوفَّر خدمات متخصِّصة بشكل كافٍ في المناطق البعيدة، بالإضافة الى ارتفاع تكاليف العلاج الخاص الذي يقع عبئه الأكبر على الأسر، كل هذه العوامل قد تجعل الأُسر تشعرُ بالاغتراب الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ إذا لم تتوفر منظومة دعم كاملة ترافق الشخص ذا التوحُّد منذ الطفولة حتَّى مرحلة البلوغ. ولعلَّ من أكثر ما يدفعني للكتابة في هذا الموضوع، قصَّتَينِ حقيقيتَينِ من الواقع، لا يمكن تجاهلهما. القصَّةُ الأُولَى تعود إلى أحد الزُّملاء الذي اختفى فجأةً عن محيط العمل والتَّواصل، حاولتُ البحث عنه كثيرًا دون جدوى، إلى أنْ أخبرني أحدُ الأصدقاء بأنَّه اتَّخذ قرارًا صعبًا بالتَّقاعد المبكِّر، وانتقل مع أُسرته للإقامة في الأردن، فقط ليكون قريبًا من أحد المراكز المتخصِّصة في علاج التوحُّد، من أجل ابنه الذي يحتاج إلى رعاية وتأهيل مكثَّف، وإقامة علاجيَّة متكاملة، لم يكن القرار سهلًا، لكنَّه كان قرار أبٍ قدَّم استقرارَ أسرتِهِ وحياتَه المهنيَّة، من أجل فرصة علاج أفضل لابنه. أمَّا القصَّة الثَّانية، فهي لدكتورة أستاذ مشارك في إحدى الجامعات السعوديَّة، ومن الكفاءات الأكاديميَّة المتميِّزة، عُرفت بتميُّزها العلميِّ، ومسيرتها الجادَّة، وطموحها العالي، لكنَّها وجدت نفسها مضطرَّة لتحمُّل عبءٍ نفسيٍّ وإنسانيٍّ كبيرٍ؛ بسبب معاناة ابنتها مع اضطراب طيف التوحُّد، في ظلِّ محدوديَّة المراكز المتخصِّصة في المدينة الصَّغيرة التي تقيم فيها، وامتلاء المراكز في المدن المجاورة، وعدم قدرتها على الحصول على مقعدٍ علاجيٍّ منتظمٍ لابنتها. تفاقمت الضغوط عليها، حتى وصلت إلى مرحلة نفسيَّة صعبة للغاية، دفعتها في نهاية الأمر إلى التفكير الجادِّ في ترك عملها الأكاديميِّ، رغم مكانتها العلميَّة العالية، وطلبت منِّي المساعدة في البحث عن فرصة عمل كسكرتيرة، أو إدارية في الملحقيَّة الثقافيَّة، أو السَّفارة السعوديَّة في عمَّان؛ لتكون قريبةً من المراكز المتخصِّصة هناك، وتستطيع في الوقت نفسه أنْ تبقى بجانب ابنتها خلال رحلة العلاج. تأمَّلُوا حجم هذه التَّضحية الكبيرة.. دكتورة جامعيَّة، تحملُ مؤهَّلاتٍ علميَّة رفيعة، وكانت في طريقها إلى أعلى المراتب الأكاديميَّة، تُضطر إلى إعادة ترتيب حياتها بالكامل، من أجل حقٍ أساسٍ لابنتها في العلاج والرعاية. وهاتان ليستا حالتَين معزولتَين، فالقصصُ في هذا الملفِّ كثيرةٌ، وبعضها يُروَى علنًا، بينما يختفي كثير منها خلف الصَّمت، وخلف أبواب البيوت. آباء وأمهات ينسحبُونَ من الحياة الاجتماعيَّة، يهربُونَ من اللقاءات، ومن المناسبات، ومن الاجتماعات، ويبقونَ حبيسِي القلق داخل منازلهم، ومع هذا الضغط المستمرِّ تبدأ الأمراض النفسيَّة بالظهور، من اكتئاب، وإجهادٍ نفسيٍّ مزمنٍ، واضطرابات قلق وغيرها. وأنا على يقين أنَّ هذا الملفَّ يمسُّ شريحةً واسعةً من الأسر في مجتمعنا، وأنَّ الحاجة إلى تطوير خدمات التوحُّد لم تعد مسألة تحسين جودة فقط، بل أصبحت ضرورةً إنسانيَّة ووطنيَّة عاجلة. ومن هنا، فإن طموحنا الحقيقي يجب أن يتجاوز مجرد زيادة عدد المراكز، إلى أن تنتشر مراكز الرعاية الخاصة والمتخصصة لأبنائنا وبناتنا من ذوي اضطراب طيف التوحد في مختلف مناطق المملكة، وأن تكون هذه المراكز متاحة في كل مدينة ومحافظة، وقريبة من كل أسرة. كما أنَّ من الضروريِّ أنْ تحظى هذه المراكز بدعم مباشرٍ من صناديق الدولة، لا سيَّما في جانب إنشاء المباني والتجهيزات والبنية التحتيَّة، إلى جانب تسهيلات التَّشغيل والتَّدريب، بما يضمن استدامة هذه الخدمات وجودتها، ويخفِّف العبء الماليَّ والنفسيَّ عن الأُسر، ويمنح أبناءنا فرصةً عادلةً للحياة، والتَّعليم، والاندماج، والمستقبل، شريطة أنْ لا يترك للقطاع الخاص فرصة المتاجرة في هذه الخدمات.