×
محافظة المدينة المنورة

الصحافة السعودية.. من ذاكرة الورق إلى أفق الاستدامة

صورة الخبر

الصحافة السعودية وبدعم ابنها وزير الإعلام تعيد ترتيب حضورها، وتتهيأ لمرحلة أكثر عمقًا وتأثيرًا، مستندة إلى دعم مؤسسي واعٍ، ورؤية وطنية واضحة، وإيمان راسخ بأن الكلمة المهنية ستبقى عنصر قوة في مسيرة الوطن.. في زمنٍ تتبدّل فيه الوسائط وتتعاقب الأدوات، تبقى الصحافة السعودية شاهدًا حيًا على تحولات الوطن، وحارسًا للوعي العام، ورافدًا أصيلًا من روافد البناء الثقافي والاجتماعي. لم تكن الصحافة في المملكة مجرد صفحات تُطوى، بل كانت مساحةً للفكرة، ومنبرًا للرأي، وسجلًا يوثّق المسار الوطني منذ البدايات الأولى حتى لحظة التحول الكبرى التي نعيشها اليوم. رافقت الصحافة السعودية تأسيس الدولة، وأسهمت في صياغة الوعي، وواكبت مشاريع التنمية، واحتضنت القلم المسؤول، وقدّمت نموذجًا مهنيًا يتكئ على القيم ويخاطب المجتمع بثقة، ومع توقف النسخة الورقية لمعظم الصحف، اتسعت المساحة وتغيّر الشكل، وانتقلت الصحافة إلى الفضاء الرقمي، حيث تتسارع الأخبار ويتضاعف التأثير وتتنامى المسؤولية المهنية. هذا التحول يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة موقع الصحافة في المشهد الإعلامي بوصفها عنصر توازن، ومصدر معرفة، وشريكًا في حماية الوعي العام، فالصحافة المهنية تُسهم في ضبط الإيقاع الإعلامي، وتواجه فوضى المعلومات، وتقدّم محتوى يُعلي من قيمة التحقق والتحليل والسياق، ويعزز ثقة الجمهور في الكلمة المسؤولة. في هذا الإطار، جاء دعم ابن الصحافة المهني وسابر أغوارها وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري بتوقيع اتفاقيات الشراكة ضمن المرحلة الأولى من برنامج تطوير المؤسسات الصحفية (الوطن، مكة، المدينة)؛ بوصفها خطوة استراتيجية تعكس اهتمامًا مؤسسيًا بدعم الصحافة وتمكينها. ويهدف البرنامج إلى تحديث نماذج العمل، ورفع الجاهزية للمستقبل، وتعزيز الحضور الرقمي، وبناء القدرات المهنية، بما ينعكس مباشرة على جودة المحتوى واستدامة المؤسسات الصحفية. وشملت هذه المرحلة شراكات نوعية بين جهات حكومية ومؤسسات صحفية، من بينها تعاون هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة مع صحيفة المدينة لتطوير المحتوى التنموي المتخصص، ومذكرة تفاهم بين الهيئة السعودية للسياحة وجريدة الوطن لدعم الإعلام السياحي، إضافة إلى اتفاقيات أكاديمية الإعلام السعودية مع عدد من الصحف لبناء مسارات تدريب وتوظيف وتطوير مهني، إلى جانب شراكات رقمية مع شركة "ترند" لتطوير الحلول التقنية ونماذج الإيرادات وصناعة المحتوى النوعي. وفي المنعطف نفسه ومرورًا بتجارب عالمية رائدة، تتجه الصحافة الحديثة عالميًا إلى نماذج تطوير تتجاوز الرهان على القارئ الفرد، وتتقدم فيها الصحيفة بوصفها مؤسسة معرفة وخدمة عامة، وشريكًا تنمويًا للقطاعات المختلفة. ففي تجارب دولية راسخة، تحوّلت الصحف إلى منصات لإنتاج المحتوى المتخصص، وتقديم المعرفة العميقة لصنّاع القرار والقطاعات الاقتصادية والثقافية، كما في تجربة (Financial Times) التي أسست وحدات مستقلة لإنتاج التقارير والتحليلات القطاعية عالية القيمة، تُستخدم مرجعًا مهنيًا في الاقتصاد والأعمال. وفي سياق آخر، طوّرت (The Washington Post) نماذج عمل قائمة على وحدات محتوى موجهة للسياسات العامة، والتحليل المؤسسي، والخدمات المعرفية للقطاع العام، بما يعزز حضور الصحافة في مساحات التأثير دون الارتهان لاقتصاد الجمهور. أما على مستوى الحوكمة، فقد رسّخت مؤسسات مثل (Reuters) مبدأ الفصل الواضح بين التحرير والإعلان، ونشرت مواثيق ثقة تحريرية معلنة، جعلت من الشفافية أصلًا مهنيًا، ومن المصداقية رأسمال طويل الأمد. وفي المسار نفسه، أعادت صحف كبرى تعريف دورها التعليمي عبر أذرع تدريبية احترافية، كما فعلت (BBC Academy وThe Guardian)، حيث تحوّلت الصحافة إلى مصنع كفاءات، ومنصة تدريب وتأهيل مهني، وشريك معرفي للجامعات والمؤسسات. كما برز نموذج الشراكة مع البحث العلمي في تجربة (The Conversation) التي دمجت الصحافة بالجامعة، وحوّلت المعرفة الأكاديمية إلى محتوى عام يخدم المجتمع وصانع القرار. وإلى جانب ذلك، استثمرت صحف تاريخية في أرشيفها بوصفه ذاكرة وطنية رقمية، كما في التجربة البريطانية، حيث أصبح الأرشيف أصلًا ثقافيًا ومعرفيًا يُستخدم في البحث والتوثيق وصناعة المحتوى الوثائقي. وتفتح هذه النماذج مجتمعة أفقًا واقعيًا للصحافة السعودية، يقوم على التحول إلى صحافة متخصصة، وخدمات معرفية، وشراكات مؤسسية، وحوكمة تحريرية واضحة، واقتصاد محتوى ذكي، يرسّخ حضور الصحيفة في منظومة التنمية، ويعيد تعريفها بوصفها مؤسسة خبرة، لا مجرد منصة نشر. المرحلة المقبلة في صحفنا الرصينة تتطلب خططًا تطويرية أكثر عمقًا، ترتكز على تنويع مصادر الدخل، وتطوير نماذج الأعمال الصحفية، والاستثمار في الصحافة المتخصصة والتحليلية، وبناء غرف أخبار رقمية مدعومة بالبيانات والتقنيات الحديثة، إلى جانب برامج تدريب مستمرة للصحفيين في مهارات السرد الرقمي والتحقق وصناعة المحتوى المتخصص، وتعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث، ضمن أطر تنظيمية مرنة تحفّز الابتكار وترسّخ المهنية. كما يمكن دعم الصحافة المناطقية والمحتوى المحلي بوصفه مسارًا مهمًا لتعميق الصلة بالمجتمع، وتوسيع دوائر التأثير، وبناء علاقة ثقة مستدامة مع الجمهور. فالصحافة السعودية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف ذاتها كصناعة معرفة، وشريك تنموي، وصوت يعكس نضج المجتمع وطموحه. الصحافة السعودية اليوم وبدعم ابنها وزير الإعلام تعيد ترتيب حضورها، وتتهيأ لمرحلة أكثر عمقًا وتأثيرًا، مستندة إلى دعم مؤسسي واعٍ، ورؤية وطنية واضحة، وإيمان راسخ بأن الكلمة المهنية ستبقى عنصر قوة في مسيرة الوطن.