في المدينة المنوَّرة، لا تُقاس مكانة الإنسان بحجم صوته، بل بعمق أثره، وهذا المبدأ انعكس بوضوح على حضور المرأة المدينيَّة خلال العقدين الماضيين، حيث قدَّمت نموذجًا مختلفًا للتمكين والعمل العام، نموذجًا يقوم على الالتزام، والاستمراريَّة، والنتائج الملموسة على مر الأزمان، ولم تظهر نساء المدينة فجأةً في المشهد، ولم يكن حضورهنَّ نتيجة موجة عابرة، وما يحدث هو تراكم خبرة، ونضج مؤسسي، وفتح مساحات عمل حقيقيَّة، جعلت المرأة شريكًا فعليًّا في التعليم، والصحَّة، والعمل المجتمعيِّ، وريادة الأعمال، والإعلام المؤسسيِّ، كل ذلك جرى بهدوء ينسجم مع طبيعة المدينة وقيمها وأصولها التاريخيَّة. ففي مجال التعليم، شكَّلت المرأة العمود الفقري للاستقرار والتطوير، حيث واصلت المرأة المدينيَّة دورها بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لرسالة العلم التي رفعها وبدأها في علم القرآن الكريم، من خلال المعلِّمات، وقائدات مدارس، وأكاديميَّات في الجامعات، أسهمن في تحسين جودة التعليم، وتطوير المناهج، وإدارة البرامج، وصناعة بيئة تعليميَّة مستقرَّة، لم يكن الدور تعليميًّا فقط، بل إداريًّا وتنظيميًّا أيضًا، ورسالة تحمل في جوهرها معنى الاستخلاف والمسؤوليَّة. أما في القطاع الصحيِّ، فكان حضور المرأة أكثر وضوحًا وحساسيَّة، طبيبات وممرضات وإداريات صحيَّات قُدنَ أقسامًا حيويَّة، وأدرنَ فرقَ عملٍ، وساهمنَ في رفع جودة الرعاية الصحيَّة، في مختلف مستشفيات المدينة، وظهرت قيادات نسائيَّة تجمع بين الكفاءة الطبيَّة والانضباط الإداريِّ، وهذا الدور لم يكن ترفًا، بل ضرورة فرضتها طبيعة العمل ومشاركة المسؤوليَّة. وفي العمل المجتمعيِّ هو المساحة التي تجلَّى فيها أثر المرأة المدينيَّة بأصدق صورة، خلال السنوات الماضية، قادت نساء مبادرات تطوعيَّة وخيريَّة وتعليميَّة استهدفت الأسرة، والطفل، وكبار السِّن، والأسر المحتاجة، ودعم الجمعيَّات المختلفة، وكثير من هذه المبادرات عملت بعيدًا عن الإعلام، وحققت نتائج حقيقيَّة على الأرض، وقدرة للمبادرة، والاستمرار، والاستدامة. وفي عالم ريادة الأعمال، انتقلت المرأة المدينيَّة من الهواية إلى السوق، فبدأت مشروعات صغيرة من المنازل، ثم تحوَّلت إلى أنشطة تجاريَّة قائمة في مجالات عدة، مثل الأغذية، والحِرف، والخدمات، والتجارة الإلكترونيَّة، وهذا التحول لم يكن سهلًا، لكنَّه كان منظَّمًا ومدروسًا، تميَّز بالحرص على الجودة، والالتزام، لبناء مشروعات مستقرَّة، وفرص عمل محليَّة، وإسهام حقيقي في الاقتصاد. والإعلام بدوره شهد حضورًا نسائيًّا مختلفًا، لم يكن إعلام نجوميَّة أو صخب، بل إعلام مؤسسي وصحفي هادئ، إعلاميَّات من المدينة عملنَ في إدارات الاتِّصال بالمؤسسات التعليميَّة والصحيَّة والجمعيَّات، وأدرنَ المحتوى، والفعاليَّات، والرسائل الإعلاميَّة، كما ظهرت كاتبات وصانعات محتوى قدَّمنَ خطابًا متَّزنًا يعالج القضايا الاجتماعيَّة بوعي ومسؤوليَّة. إن نساء المدينة المنورة خلال الثلاثين عامًا الماضية لم يكتفين بالحضور، بل أسهمن في البناء، وهذا النموذج ليس تفصيلًا عابرًا، بل ركيزة من ركائز التنمية الاجتماعية المستدامة، وسوف أشارككم في بعض من أسس وساهم وعمل في مختلف المجالات من نساء المدينة المنوَّرة، وإبراز دورهنَّ المجتمعيِّ من خلال مقالات مقبلة على هذه المنصَّة المميَّزة.