مع إطلالة عام 2026، لم يعد الحديث عن الكنوز الجيولوجيَّة في عالمنا العربيِّ مجرَّد سردِّيات أكاديميَّة حبيسة الأدراج، بل تحوَّل إلى واقع عالميٍّ ملموس يحمل ختم «اليونسكو». فبعد سنوات من تفرُّد المملكة المغربيَّة بتمثيل المنطقة عبر متنزَّه «مكون» في جبال الأطلس، جاء الدخول السعوديُّ القويُّ إلى هذه الشبكة الدوليَّة في عام 2025؛ ليقلب المعادلة، ويرفع رصيد العرب إلى ثلاثة متنزَّهات عالميَّة، بفضل اعتماد «متنزَّه شمال الرياض»، و»متنزَّه سلمى» في حائل دفعة واحدة في حدث نادر في العالم، والعالم العربي بالذات. إنَّ قراءة هذا الحدث لا يجب أنْ تقف عند حدود الاحتفاء بالرقم أو الشهادة، فالوصول إلى قائمة اليونسكو للمتنزَّهات الجيولوجيَّة ليس «نزهة» إجرائيَّة، بل هو امتحان عسير تخوضه الدول لإثبات قدرتها على إدارة التراث الطبيعيِّ بمعايير صارمة تجمع بين البحث العلميِّ العميق، والتنمية المُستدامة، وإشراك المجتمع المحليِّ. وهنا تكمن قيمة الإنجاز السعوديِّ؛ إذ إنَّ نجاح المملكة في تسجيل موقعين دفعة واحده، هو برهانٌ عمليٌّ على نضج المؤسَّسات الوطنيَّة وكفاءة الكوادر التي استطاعت تحويل صخور «طويق»، ورواسب العصور الجوراسيَّة، وفوَّهات «سلمى» البركانيَّة وجبالها التي يزيد عمرها عن 700 مليون سنة، إلى وجهات سياحيَّة وعلميَّة عالميَّة. هذا التحوُّل الجوهريُّ يتقاطع بذكاء مع مستهدَفات «رُؤية المملكة 2030». فنحن لا نتحدَّث هنا عن سياحة تقليديَّة، بل عن صناعة اقتصاد معرفيٍّ جديد يُعرف بـ»السياحة الجيولوجيَّة». هذا النمط لا يكتفي بجذب الزوَّار، بل يخلق فرص عمل نوعيَّة لأبناء المناطق الحاضنة لهذه المتنزَّهات، ويُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيئته من الاستنزاف إلى الاستدامة والحماية. إنَّ الحِراك الذي نلمسه اليوم، والذي يمتدُّ صداه لمحاولات واعدة في دول عربيَّة أُخرى، يؤكِّد أنَّ المنطقة العربيَّة بدأت تعي أنَّ ثرواتها ليست في باطن الأرض كنفط وغاز فحسب، بل في تضاريسها وظاهرها الذي يشكِّل «متحفًا مفتوحًا» للإنسانيَّة. ختامًا، حق لنا أنْ نفخر بهذا المنجز الوطني، وأنْ نرفع القبعة احترامًا لتلك الجهود والفرق العلمية التي واصلت الليل بالنهار، وواجهت التحديات بصبر العلماء وعزيمة الوطنيين، ليضعوا اسم المملكة على خارطة السياحة الجيولوجية العالمية والتراث الجيولوجي العالمي. إنَّهم لم يسجِّلوا مجرَّد مواقع في اليونسكو، بل وثَّقوا فصلًا جديدًا من حكاية الأرض.. بلسانٍ سعوديٍّ مُبينٍ، وحقًّا ما حدث يُعتبر من الإنجازات الوطنيَّة السعوديَّة العالميَّة المهمَّة.