تعتبر العلا مخزنًا كبيرًا للتراث والآثار، ولذلك نجد هذا الاهتمام وهذا الجهد من فريق يرأسه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لندرك مدى أهمية المنطقة تاريخيًا وثقافيًا وتراثيًا.. هذه المنطقة التي كانت مهبط التجارة العالمية في العهد القديم، ونقطة وصل بين تجارة الشرق والغرب، وهي موطن جميل بثينة وكثيّر عزة وغيرهم من عمالقة الشعر العربي والنبطي.. لم تكن أرض الجزيرة العربية بالأرض الهمل، بل تعاقبت عليها الدراسات، والبعثات، وتنافس الباحثون في تتبع آثارها، وتدوين مكتشفاتها بشكل لا يتسع له هذا المقال، وإنما قد سبق ورصدناه في موسوعتنا (الجزيرة العربية.. الهوية، المكان والإنسان) في دراسة أكاديمية استغرقت ما يربو على عشر سنوات، للبحث عن هذه المنطقة وخصائصها وتكوينها الآركيولوجي والأنثربيولوجي، كونها كانت مهدا للحضارات الإنسانية. وبتوالي العصور على هذه المنطقة من الجزيرة العربية يتبين لنا تتابع العصور، بأزمنة مختلفة، حيث تمر -بأزمنة طويلة- بالعصور الحجرية ثم بفترة العُبَيْد (الألف الخامس قبل الميلاد) ثم بفترة دلمون ثم فترة الممالك العربية المبكرة، ثم الممالك العربية الوسيطة والمتأخرة، ثم فترة العهد النبوي، ثم فترة الدولة الأموية والعباسية والعصر الإسلامي الوسيط والمتأخر. ولقد تفرقت مواقع هذه الحضارة الأثرية في جميع أنحاء الجزيرة العربية بداية من سواحل الخليج العربي مرورا بوسطها وجنوبها وانتهاء بشمالها، مما أدهش الباحثين الأنثروبولوجيين وعبر مخطوطات أثرية تدون كل ما يخص هذه الأرض وتراثها. وفي هذه الأيام يظهر مجددا الإعلان عن آخر الاكتشافات في العلا، ولكنه ذكر أنه يوثق لأول مرة فيقول: «نشر فريق مشترك من الهيئة الملكية والمركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية بحثا لمحافظة العلا بحثا علميا محكما جديدا في إحدى أبرز المجلات الدولية المتخصصة في آثار الجزيرة العربية والشرق الأوسط. ويوثق للمرة الأولى تفاصيل لمرحلة زمنية تمتد من القرن الثالث إلى القرن السابع الميلادي في وادي القرى (العلا حاليا)». والحقيقة أنه لم يكن للمرة الأولى تنشر دراسات عن هذه المنطقة، كما ذكر الخبر، بل إن هناك العديد من الكتب والدراسات العلمية عن شمال غرب الجزيرة العربية بشكل خاص، فقد ترك لنا العلماء والمنقبين الكثير عن هذه المنطقة، ولكن تكمن أهميته أنها تخص فترة معينة بعينها. وعلى سبيل المثال لا الحصر ما عني به عالم الآثار والباحث الأميركي (بيتر كورنوول) بهذا الخصوص في الخمسينيات من القرن الماضي باكتشافه عن هذه المنطقة كما أوردها في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة هارفرد، كما توالت اكتشافات هذه الحضارة في هذه المنطقة وتوالى عليها المنقبون الدنماركيون والأميركان وغيرهم. وعلى سبيل المثال حضارة الدلمون في وسط الجزيرة وشرقها حيث يقول «فالحصول على دليل لوجود مستوطنة كان عمرها أربعة آلاف عام أو أكثر أمر ليس باليسير، فقد تم ذلك من خلال الحفريات التي أجريت من خلال العثور على أدوات كان يستخدمها الإنسان في ذلك الوقت كالأختام ومتاع القبور، ومن خلال أنماط العمارة». يقول رالف لنتون في دراسته التي أجراها في مؤسسة فرانكلين في نيويورك متحدثاً عن العصر النيوليتي 5400 عام ق. م. في منطقة جنوبي غرب آسيا وهي بالتقريب منطقة شمال غرب الجزيرة العربية: «إن القرى كانت تسكنها مجموعات صغيرة تعيش في مجتمع واحد، فإن السلطة الحقيقية كان يمارسها زعماء العائلات، وكان الرجال يحبون الاجتماع في مكان يرتاحون إليه في القرية، وغالباً ما كان الجرن الذي يدرِسون فيه الحبوب، وهناك يناقشون أمورهم المهمة عندما تقل حرارة الجو في السماء. وكان لكل عضو في القرية الحق في أن يقول ما يؤمن به في أي أمر من الأمور، وكانوا يستمعون باحترام إلى الرجال ذوي المكانة. وكانوا يوافقون بالإجماع على القرارات التي يصل إليها المجتمعون. ولم يكن هناك من يحب أن يجد لنفسه الشخص الوحيد الذي يدافع عن رأي لا يشاطره فيه أحد، فكان لكل قرية في العصر النيوليتي مجموعة من العادات التي تحدد علاقات الأشخاص فتصبح قانونا». وهكذا تتوالى البعثات والدراسات عن الجزيرة العربية حتى اتضح لنا أنها مهد للحضارات الإنسانية المتعاقبة عليها. ولكن كل ما يهمنا في هذا الخبر وعن مدى اهتمام الهيئة الملكية وانطلاقا من أعمال مشروع دادان الأثري وهو تعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) بالبحث الدؤوب عن كل ما يخص بوجه خاص منطقة العلا التي لها من الإرث والآثار ما ينوء به كاهل القلم، ولكن الأهم في هذا الخبر أن هذه الدراسة الحديثة اهتمت بفترة معينة من تاريخ هذه المنطقة كما ذكر المصدر «أنها فترة شكلت فجوة معرفية بين نهاية الحقبة النبطية وبدايات العصر الإسلامي في شمال غرب الجزيرة العربية، وهي مرحلة أفترض تقليديا أن الاستيطان المستقر قد تراجع خلالها بشكل واسع في مواقع مثل تيماء وخيبر والحجر وغيرها». وبطبية الحال فالعلا -وهي ما كان يطلق عليها أم القرى– تعتبر مخزنا كبيرا للتراث والآثار وهو ما تعيه الهيئة الملكية في محافظة العلا، ولذلك كان هذا الاهتمام وهذا الجهد المتواصل من فريق يرأسه سمو ولي العهد ورئيس مجلس إدارتها الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- منذ نشأتها عام 2017 لندرك مدى أهمية منطقة العلا تاريخيا وثقافيا وتراثيا. هذه المنطقة التي كانت مهبط التجارة العالمية في العهد القديم وكانت نقطة وصل بين تجارة الشرق والغرب وهي موطن جميل بثينة وكثير عزة وغيرهم من عمالقة الشعر العربي والنبطي. وهي التي قال فيها مجددا الشاعر الدكتور منصور بن صالح العرادي البلوي: يا مغزل الأحلام يا وادي القرى ما زلت توغل في البهاء كثيرا يا لابساً تاج الشوامخ هيبة صلفا ومفترش الحقول حريرا لم يكتب التاريخ سفرا حافلا إلا أتاك ليستعير سطورا