على مرِّ التاريخ الإنساني، لم تكتفِ المرأةُ بارتياد الصالونات الأدبية، بل دعت لها ونظَّمتها، وكان -ولا يزال- لها الدور الأبرز فيها، وبنظرةٍ سريعةٍ على أشهر الصالونات الأدبيَّة عبر التاريخ، فإنَّ أهم ما يسترعي الانتباه، هو أنَّ معظمها تأسَّس مِن قِبَل نساء، أو أنَّها الأكثر شهرة. المثقفة السعوديَّة لها دور بارز في إنشاء الصالونات الأدبية أو الثقافية، لكن خصوصية المجتمع؛ والنظرة القديمة لدور المرأة جعل هذا الجهد الأدبي محصوراً في نطاق الأسرة فقط، وفي تكتُّم جعل من تلك الأنشطة الأدبية تنطوي في سجل الكتمان. صالون السيدة سكينة طرابلسي عرفتُ عنه صدفة؛ في لقاء «بود كاست» على «تيك توك»، لقاءً قصيراً بين محاورة -للأسف ليس لديها علاقة بالثقافة- والمؤرخ الدبلوماسي السعودي الأستاذ محمد طرابلسي. كان السؤال الوحيد المرتبك عن أول نادي أدبي نسائي في مدينة جدة، يبدو أن الأمر اختلط عليها، فلم تُفرِّق بين النادي الأدبي، والصالون الأدبي أو الثقافي. أكد طرابلسي أن أول صالون ثقافي في مدينة جدة، هو للأديبة السعودية سكينة طرابلسي، أنشأته في السبعينيات الهجرية، وهي شاعرة، غنَّى لها «فهد بلان، طلال مداح»، تملك مكتبة كبيرة في منزلها، حسب كلام الضيف. يُعقد في منزلها كل أسبوع مجلساً أدبياً يحضره مشاهير الأدباء: أحمد قنديل، محمد على مغربي، محمد حسن عواد، الأمير عبدالله الفيصل، كما أن الشيخ محمد سرور الصبان يحضر أحياناً. أكد طرابلسي أن تلك الكوكبة من الأدباء – رحمة الله عليهم- يَؤمُّون مجلسها الأدبي بحضور زوجها من آل عبدالجواد. كذلك كانت تستضيف بعض المثقفات الشابات: صفية بن زقر، جيهان الأموي، ثريا قابل في مجلس مخصَّص للنساء. تذكَّرت انفعال صاحبة صالون ثقافي على عبارة كتبتها في مقالة؛ خصصتها بمناسبة انطلاق فعاليات: «صالون المها الأدبي»، جاء فيها -بما معناه- أن صالون المها الأدبي يعتبر أول صالون أدبي في مدينة جدة، بل في المملكة، بهذه الصيغة المتفرِّدة للمكان، وعدد العضوات، وتقاليده بالنسبة للباب المفتوح للحضور دون قيد أو شرط، ومساحة الحوار المطروحة، وقتها عاتبتني بشدة؛ لأنها تعتبر أن صالونها الذي تعقده في المنزل -بحضور مُغلق على المحيطين بها- هو أول صالون أدبي ثقافي في جدة. «أول صالون»، لا أعني بها أول صالون يُنشأ على أرض الوطن، وأنا أعلم أن صالونات كثيرة سبقته في العهد السعودي، وصالونات أدبية أنشأتها نساء مبرزات على مر التاريخ على أرض الجزيرة، الأولوية التي عنيتُها في «صالون المها الأدبي»، كما أسلفت: عدد العضوات، الموضوعات، الإعداد للفعاليات، والباب المفتوح للحضور والإعلام. الصالونات الأدبية التي أنشأتها نساء، كثيرة، ولكن القليل منه الذي ظل اسمه مكتوباً في سجلات التاريخ بماء الذهب، كما يقولون.. رغم أن تاريخ أول صالون أدبي على مستوى العالم لسيدة اسمها «عمرة»؛ في الحجاز في مكة المكرمة، لكن المعلومات عنها قليلة، أيضاً صالون السيدة سكينة بنت الحسين، في مكة المكرمة، ثم في المدينة المنورة. في الأندلس؛ صالون ولادة بنت المستكفي، وفي مصر؛ صالون مي زيادة، هما الأشهر والأكثر رسوخاً في الذاكرة. بين نهاية القرن العشرين والألفية الثالثة برزت أسماء شخصيات نسائية سعودية حفرت اسمها في سجل النشاط الثقافي والأدبي؛ من خلال الصالونات الثقافية والأدبية، التي ارتبطت بأسمائهن. - سارة الخثلان : «وصفت بدايات الخطوة الأولى لصالونها بأنه نتاج الحاجة إلى إيجاد مكان للمثقفات يجتمعن فيه، ويمارسن نشاطاً ثقافياً وفق آلية ثقافية يتم من خلالها تنظيم النشاط الثقافي آنذاك». - في مدينة جدة الأكثر انفتاحاً وتحرراً، لم تستطع المرأة أن تؤسس صالونها خارج هذه الفكرة (النسائية)، فكان صالون الفنانة التشكيلية السيدة صفية بن زقر- رحمة الله عليها- 1992م في بيتها، ثم انتقلت به إلى دارة صفية بن زقر. - في مدينة الرياض أسَّست د. هتون الفاسي ملتقى الأحدية النسائي 1994م مع عدد من الأكاديميات. - صالون الشاعرة سارة بنت محمد الخثلان عام 1996م. - صالون المها الأدبي، توليتُ مسؤولية تأسيسه في منزل السيدة مها فتيحي، بمشاركة عدد من الأكاديميات والأديبات والمثقفات عام 1999م. لم تكن راغبة في نسبة الصالون إليها، بل رغبت أن يكون باسم «صالون سيدات جدة»، لكن لرغبة المُؤسِّسات وإصرارهن؛ تقديراً لمبادرتها وجهدها؛ رضخت للاسم الذي اختارته المُؤسِّسات. - أسَّست الأميرة سلطانة السديري صالونها الأدبي في الرياض 2001م. - أسَّست كل من أ.د. وفاء المزروع، أ.د. هيفاء فدا، وعدد من الأكاديميات والأديبات، المنتدى بمكة المكرمة عام 2002م. وأتشرف بأني عضوة فيه. - الشاعرة شريفة الشعلان افتتحت صالونها الأدبي في المنطقة الشرقية. - «رواق بكة» أسَّسته د. هانم ياركندي مع نخبة من الأديبات والأكاديميات بمكة المكرمة. هكذا اتخذ عدد من المثقفات خطوات لتأسيس صالونات أدبية وثقافية في منازلهن بشكل دوري، ولازال بعضها قائماً حتى الآن. على مر السنوات تزايدت وتكاثرت الصالونات الأدبية والثقافية في مجتمعنا السعودي، ثم انتشرت المقاهي التي تضطلع بدور ثقافي أيضاً، بعد أن أرست وزارة الثقافة مشروع «الشريك الثقافي»؛ عن طريق المقاهي الثقافية؛ والكيانات الأدبية والثقافية المختلفة، وهي متاحة للأدباء والأديبات دون فصل أو إقصاء.