أمبرتو إيكو Umberto Eco الفيلسوف والروائي والناقد الأدبي الإيطالي، متخصص في تاريخ وآداب القرون الوسطى، وصف أنه رائد علم السيميائية، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة تورينو (1954)، وعمل إيكو محررًا ثقافيًا في الإذاعة والتلفزيون الإيطالي وألقى محاضرات في جامعة تورينو (1956-1964). ثم قام بالتدريس في فلورنسا وميلانو، وأخيرًا في عام 1971، تولى منصب أستاذ في جامعة بولونيا. اشتهر إيكو بوصفه روائيًا، وله أعمال شملت أيضًا مجالات أخرى مثل الفلسفة واللغويات وعلوم الرموز، وكان له حضور لافت في وسائل الإعلام سواء من خلال كتابة أعمدة ثابتة في أرقى المنابر الصحفية أو من خلال تحليلاته العميقة لمختلف أشكال العملية الإعلامية. وقد مكّنه النجاح الذي حظي به في أنحاء العالم من التميز كواحد من عظماء الأدب العالمي المعاصر. انتقد في روايته «العدد صفر» بعض الصحف بوصفها لا تنقل الحقيقة، بل توجه الأخبار وتصنعها لخدمة مصالح معينة، «كونك مديرًا لا يجعلك بالضرورة تعرف الكتابة، وليس ضروريًا أن يعرف وزير الدفاع رمي القنبلة»، وانتقدت الرواية كيف يمكن للإعلام التأثير في الرأي العام والسيطرة عليه وليس فقط إعلامه، بل توجيهه كذلك لتحقيق أهداف غير مهنية «الخوف من الموت يمنع شتات الذهن»، «وهل سيكذبنا رفاقنا في التحرير، الذين سيُقدمهم الكتاب على أنّهم صُحفيون غاية في النّزاهة»، وانتقدت الرواية استخدام بعض الصحف نشر الشائعات -كما يحدث من بعض منصات التواصل الاجتماعي اليوم- لجذب القراء (المتابعين) ونشر نظريات المؤامرة؛ لإثارة الخوف، وهذه الأساليب تمثل كواليس المهنة ومن أجل السيطرة على عقول العامة «إذن: سنصنع صحيفة يومية. لماذا سميناها الغد؟ لأن الجرائد التقليدية كانت تروى، وللأسف ما زالت تروى ما حدث أمس، لذا تسمى ie soir، الآن نحن نعرف أخبار اليوم السابق من شاشة التلفاز في نشرة الثامنة مساءً، فالصحف إذن تَقُصّ دائما الأشياء التي سبق أن عرفناها، أما في جريدة الغد سنتحدث عما يُمكن أن يحدث غدًا، من خلال مقالات في العمق، وملاحق فيها تحقيقات، واستشرافات غير منتظرة،... وهو ممكن لأن العدد صفر يُمكن أن يتخذ أيّ تاريخ. فالرواية تحكي الصراع بين الحقيقة والخيال في الصحف والإعلام، ويمكن أن يتحول الإعلام من وسيلة لنقل الحقيقة إلى وسيلة توجيه وتضليل، وينبغي للناقد ألّا يكون متلقيًا فقط، بل ناقدّا بوعي «لا أنفي ذلك، ولكن أبي عوّدني ألّا أُصدق الأخبار كما لو كانت منزّلة، الصحف تكذب، والمؤرخون يكذبون، واليوم التلفزة أيضًا تكذب... نحن نعيش في عالمٍ من الكذب، وإذا علمت أنهم يكذبون عليك، فينبغي لك أن تشكّ دائما، أنا أشكّ، أشكّ دائما». الرواية تكشف عن الواقع الوهمي لبعض وسائل الإعلام في تمرير رأي وصناعة خبر يخدم أجندة معينة. «في جريدة الغد سيكون هناك الكثير من الآراء، وسنُظهرها على أنها آراء... وسُنقحم في المقال تصريحات شاهد عيان، أحد المارة في الشارع، شخص يمثل الرأي العام. ولكن بالإمكان افتراض أن الصحفي لم يسأل إلا من يفكر مثله، ولا ينبغي أن يكون هناك تصريحان، متعارضان فيما بينهما، لإبراز أن الواقع وجود آراء مختلفة في مسألة ما، والجريدة تعبر عن هذا الواقع الذي لا شكل في وجوده. تكمن الحيلة في وضع رأي تافه، ثم لرأي آخر، أكثر عُمقًا مشابه جدا لرأي الصحفي، وهكذا سيبدو للقارئ أنه أمام واقعيْن، ولكنه سيميل لرأي واحد على أنه أكثرهما إقناعًا». وهكذا تبدو كواليس بعض الصحف ووسائل الإعلام في رواية (العدد صفر) ونموذجا لفهم السلطة الرابعة وتأثيرها من ناقد وفيلسوف وصحفي له باع طويل ويد عليا في قراءة الخبر الصحفي لا سيّما تجربة حياته المهنية في اللغة والتواصل. ** ** - أديبة وأكاديمية